الحزب الشيوعي السوداني صفحة تاريخية (1-2)

رحيل الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني محمد إبراهيم نُقُد في الأسبوع المنصرم يعيد إلى الأذهان معارضته الصارمة لذلك التدبير الانقلابي العسكري الذي جرى تنفيذه في 25 مايو من عام 1969 على أيدي العقيد جعفر نميري وصحبه من الضباط الذين شكلوا سلطة انقلابية برئاسة نميري امتدت لستة عشر عاماً. كان وراء التدبير الاستخبارات المصرية في عهد المرحلة الأخيرة من عُمر النظام الناصري.

 وبما أن المشروع الانقلابي كان موجهاً ضد قيادات الأحزاب التقليدية ــ تحديداً حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي - فإن الخطة كانت تقضي بضرورة إشراك الحزب الشيوعي. وعندما عرض المشروع على الحزب الشيوعي في وقت مبكر من عام 1969 فإنه استقبل برفض فوري. لكن هذا الرفض لم يكن إجماعياً. فقد انقسم أعضاء المكتب السياسي للحزب ما بين الرفض والقبول. ابتدر حركة الرفض الأمين العام للحزب عبدالخالق محجوب..

وعلى الفور انضم إليه محمد إبراهيم نُقُد. لكن خطة التدبير الانقلابي مضت كما هو مرسوم لها بتأييد قوى من ثلاثة من أعضاء المكتب السياسي للحزب هم أحمد سليمان وفاروق أبوعيسى ومعاوية إبراهيم. وهكذا صار عبدالخالق ونُقُد أمام أمر واقع بعد أن وقع الانقلاب بالفعل.

علماً بأنهما لم يبلغا مسبقاً بموعد ساعة الصفر. ومنذ ذلك الحين صار الحزب الشيوعي السوداني عملياً حزبين يتبادلان عداءً أيديولوجياً.

لاحقاً بعد أن بدأت الأسرار الانقلابية تنكشف كان الكثير من السودانيين يتساءلون لماذا يرفض حزب يساري صغير «هدية» سلطوية تتيح له أولاً ضرب الأحزاب اليمينية التقليدية وثانياً المشاركة في الحكم بقدر كبير ومؤثر. في أدبيات الحزب الشيوعي أجوبة تحليلية علمية عن هذا التساؤل وضعها محمد إبراهيم نُقُد منسجماً بذلك مع طرح من الأمين العام عبدالخالق.

ترتكز تحليلات نُقُد على حجتين إحداهما مبدئية والثانية براغماتية. مبدئياً كان نُقُد يرفض من حيث الانطلاق المبدئي العمل الانقلابي كأسلوب للوصول إلى السلطة. فقد كان يريد للحزب أن يستمسك بنهج العمل الترويجي اليومي وسط الفئات الجماهيرية في ظل نظام ديمقراطي تعددي استثماراً للحريات العامة التي تتيحها الديمقراطية الليبرالية.

من ناحية أخرى ــ وهذه هي الحجة الثانية - كان نُقُد يخشى على الحزب الشيوعي السوداني ما جرى للتنظيمات الشيوعية في مصر في العهد الناصري من تدمير سياسي انتهى بها إلى الزوال من الوجود. وتلك كانت حجة لا يصح الاستخفاف بها إذا أخذنا في الاعتبار أن الانقلاب السوداني الذي وقع في عام 1969 كان تدبيراً مصرياً، كما سبقت الإشارة.

وكما ثبت عملياً في وقت لاحق فإن التدبير المصري كان يقضي باستغلال الرصيد الشعبي القوي للحزب الشيوعي السوداني المتمثل في نقابات العاملين خاصة نقابات المهنيين لدعم سلطة «25 مايو» الانقلابية بتوفير قاعدة شعبية جاهزة لها حتى إذا ما ثبتت هذه السلطة وجودها على صعيد الحكم فإنها تعمد إلى إذابة الحزب الشيوعي أو تدميره إذا رفض الإذابة.

نُقُد ورفيقه الأكبر عبدالخالق كانا عنصرين قياديين يتميزان ببُعد النظر والبصيرة الثاقبة التي تخترق الحجب ومقدرة التفكير الاستراتيجي. مع ذلك ومع مرور سنين الكفاح مُنذ أن تأسس الحزب في منتصف أربعينات القرن الماضي صار الحزب ينتقل من وهن إلى وهن بسبب المحن الذي وقعت عليه سواء من داخله أو خارجه.

المحنة الكبرى الأولى واجهت الحزب في منتصف عقد الستينات في عهد الديمقراطية الثانية عندما استغلت الأحزاب التقليدية الكبرى أغلبها البرلمانية فاستصدرت قوانين تقضي ليس فقط بحظر الحزب بل أيضاً بطرد نوابه المنتخبين نهائياً من البرلمان لكنه مع ذلك استطاع شن مقاومة الوسائل السلمية السياسية والدستورية استرد بها مشروعيته القانونية.

بعد أربع سنين من انقشاع هذه المحنة جاء انقلاب نميري في عام 1969 إيذاناً بمحنة جديدة هي أدهى وأمر. فبعد نحو عامين أهدر نميري دم الحزب الشيوعي والشيوعيين مصداقاً بما تنبأ به محمد إبراهيم نُقُد.

ففي يوليو في عام 1971 وقع انقلاب فاشل ضد نظام نميري من تدبير وتنفيذ مجموعة من العسكريين المنتمين إلى الحزب الشيوعي بزعامة الرائد هاشم العطا. كان ذلك مفاجأة لقيادة الحزب. فالضباط لم يستشيروا أحداً من القادة المدنيين. مع ذلك أمر نميري عبر محاكم عسكرية ميدانية بإعدام ثلاثة من هؤلاء القادة كانوا يمثلون القمة العليا للحزب وهم عبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق (لا علاقة له مع جون قرنق).

ولو كانت أجهزة نميري الأمنية قد عثرت على نُقُد لكان مصيره أيضاً الموت. لكنه اختفى ليبقى مصيره مجهولاً لمدى 14 عاماً إلى أن سقط نظام نميري في عام 1985م.

الآن والحزب لا يزال يواصل نشاطه بصورة قانونية فإنه يبقى سؤال كبير: ما مستقبل الحزب؟

 

طباعة
comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

لأكثر شعبية

الأكثر قراءة

  • البيان .. وإفلاس الحوثي

    التهاون والسكوت والسماح، لا قدر الله، بسقوط صنعاء في طائلة المعتدي الإرهابي الحوثي وتحت سيطرته كاد يؤدي إلى مخاطر تهدد

  • النفيسي والنفس الخبيثة

    حين يتطاول المدعو عبد الله النفيسي على الإمارات الشامخة فأول ما يستحضر المرء مقولة للشاعر علي الغراب الصفاقسي عن مصير ثمن

  • الاستقالات وقانون التقاعد

    في ظاهر استقالات المعلمين والمعلمات والإداريين في المدارس الحكومية، تبدو الأسباب إدارية فحسب، وتعود إلى إطالة أمد اليوم

  • أولياء الأمور والعودة إلى المدرسة

    الكثير منا يستعد ويجهز لعودة أبنائهم إلى المدرسة بعد إجازة صيفية مليئة بألوان المرح والتسلية، وبدأت الخطوات تقترب أكثر

  • فزعة

    تعد مبادرة «فزعة» التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العام الماضي في مرحلتها التجريبية وستطبقها فعليا الأسبوع المقبل

  • مصر جميلة

    ثمة صورة ذهنية غير حقيقية ربما تصل الجماهير خارج مصر أفرزها تناول إعلامي غير متوازن سلط الضوء على الجزء الفارغ من الكوب

  • الأحزاب «الدينية»!

    تجدد الجدل في الآونة الأخيرة حول شرعية وجود الأحزاب ذات الطابع الإسلامي، وانقسمت الآراء بين مدافع عنها ورافض لها، خاصة

  • كوريا وأوكرانيا

    تبدو كوريا الشمالية (الشيوعية)، في الصورة الإعلامية العامة، في هيئة الجزء الذي انفصل عن الكل. ولكن هذه فكرة من مخلفات

  • الهرولة الأوروبية المستهجنة لاحتضان طهران

    بالكاد جفّ حبر الاتفاق النووي الإيراني قبل أن تتسابق البلدان الأوروبية لإبرام صفقات تجارية وإعادة فتح سفاراتها في إيران

  • الثالثة والنصف

    دخلت مصعداً في إحدى الدوائر الحكومية في طريقي لأحد الاجتماعات، ودخل معي شاب تحوي تعابير وجهه كل ضيق الدنيا وهو يحمل

اختيارات المحرر

  • بالصور..ثلاثيني يتقمص حياة أربعينيات القرن العشرين

    حتى وإن كان مستحيلاً أن تعود به آلة الزمن إلى أربعينيات القرن العشرين، فإن بن سانسم يعيش حكاية من حكايات الـ 1946 والتي تظهر في طريقة حياته وأثاث منزله الأثري ولباسه وحتى سيارته.

  • شاهد أول مسبح معلق في الهواء في العالم

    هل جربت السباحة في الهواء؟ نعم، السباحة في الهواء. قد يبدو الأمر غريباً نوعاً فمن غير المألوف أن يكون المسبح معلقاً في السماء.

  • صاحب سيارات بورش وبنتلي يعجز عن دفع تذكرة موقف

    هل تصدق أن رجل أعمال يملك سيارات بورش وبنتلي ورينج روفر ومرسيدس وأودي و بي إم دبليو لا يستطيع دفع قيمة تذاكر مواقف لسياراته الفارهة؟ وفي التفاصيل، مثل رجل أعمال ثري يعيش في قصر تصل قيمته إلى 2.5 مليون باوند أمام محكمة بريطانية بتهمة استخدام لوحات أرقام مزورة لسياراته الفارهة وذلك لتجنب دفع رسوم وغرامات المواقف.

  • «أبو طافش» أقدم مطاعم الأسماك

    ما مر به وحققه رضوان اشتي التميمي الشاب الفلسطيني الاردني منذ ان وطأت قدماه ارض امارة ابوظبي في العام 1965 الى ما وصل اليه واصبح «ابو طافش» صاحب مطاعم الاسماك والمشاوي الاشهر في الدولة اشبه بالدراما والقصص والحكايات القديمة وقصص الف ليلة وليلة التي نسجت الصدفة البحتة خيوطها ليصبح احد ابرز الوافدين الذين حققوا نجاحات وشهرة..

  • بالصور والفيديو: بوتين يظهر كمغامر في أعماق البحر الأسود

    شارك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ، في بعثة علمية تعمل بالقرب من مدينة سيفاستوبل في شبه جزيرة القرم ، إذ قام، الثلاثاء

تابعنا علي "فيس بوك"