صرح نائب وزير الخارجية الروسي، بأن المعارضة السورية هي التي تستخدم السلاح والعنف، وأنها تتحمل مسؤولية استمرار الأزمة، وأوحى وكأن المعارضة هذه تملك دبابات ومدفعية ومختلف صنوف الأسلحة، مع أنها في الواقع .
ـ وهذا ما يعرفه الروس جيداً ـ تقوم بمظاهرات واحتجاجات سلمية، رغم العنف الذي تواجهه والأعمال العسكرية التي تمارسها السلطة ضدها، إلا إذا كان المسؤول الروسي يعني بالمعارضة ما يسمى "جيش سورية الحر" الذي لا يملك، على أية حال، سوى أسلحة فردية خفيفة، وتقتصر مهمته الأساس على حماية المدنيين من اعتداءات أمن السلطة وجيشها.
وفي الخلاصة، فإن القول الروسي بتسلح المعارضة وبشنها هجمات عسكرية، هو قول غير دقيق ومحض خيال، وبعيد عن الواقع، ولا يصح بناء سياسة دولة كبرى مثل روسيا، على مثل هذا القول وتلك المعلومات.
كانت السياسة الروسية قد أعلنت قبل أسابيع، أنها ستبادر إلى حل الأزمة السورية، ثم شرحت مبادرتها بأنها تنطلق من عقد حوار بين السلطة السورية والمعارضة، وأعلنت وزارة الخارجية الروسية بلهجة تنم عن شبه انتصار، أن النظام السوري وافق على عقد حوار "غير مباشر" في موسكو مع المعارضة.
وكان هذا النظام في واقع الحال، وقبل المبادرة الروسية بأسابيع، قد قبل عقد حوار مباشر مع المعارضة وفي دمشق، أي أن المعلومات الروسية كانت متأخرة عدة أسابيع، بل أشهر، وأنها بعيدة عن الواقع، ولا تدري ماذا يجري في سوريا.
بعد أن وافقت السياسة الروسية على مشروع قرار مجلس الأمن المتعلق بدعم المبادرة العربية، تراجعت عن موافقتها هذه قبيل التصويت، ثم استخدمت حق الفيتو وعطلت القرار الذي كانت قد وافقت عليه، وأكدت مرة أخرى، عدم واقعيتها، وجهلها، أو تجاهلها لما يجري في سوريا، فضلاً عن ترددها وتخبطها.
من المعروف، أن السياسة الروسية هي وريثة السياسة السوفييتية التي كانت تعتمد، في اتخاذ قراراتها، على مصادر متعددة، متشعبة، متداخلة، متقاطعة، وعلى رأسها المعلومات التي يقدمها جهاز الـ"ك. ج. ب"، المخابرات السوفييتية الشهيرة، هذا الجهاز الذي ما زال حتى الآن من أقوى أجهزة المخابرات العالمية العاملة في سوريا.
ويعرف كل شاردة وواردة فيها، وبالتالي فمن غير المتوقع أن لا يكون جهاز الأمن الروسي، والسفارة الروسية في دمشق، والمنظمات الأخرى الحكومية وشبه الحكومية، قد قدمت لأصحاب القرار في السياسة الروسية المعلومات الضرورية، سواء لمن كان منهم في أعلى أجهزة السلطة، أم لأولئك المسؤولين في وزارة الخارجية.
ومهما كان حجم هذه المعلومات عن الشأن السوري، ومدى دقتها وموضوعيتها، فإنها كافية لإعطاء صورة قريبة من الواقع بحده الأدنى على الأقل. وفي ضوء ذلك، فإنه من المنطقي الاستنتاج بأن من قرروا استخدام الفيتو استخدموه لأسباب أخرى، لا تتعلق بمدى الاطلاع على مجريات الأمور في سوريا، ولا هي جهل بالواقع هناك.
وإنما تجاهل له، يعود لأسباب لا علاقة لها بمجريات الأحداث، ولا بظواهر الأمور. يرى بعض المحللين، وهذا ما أسهبت الصحف ووسائل الإعلام العربية في كتابته وشرحه والتنويه إليه، أن أسباب الموقف الروسي تعود لمصالح روسيا في المنطقة، خاصة أن سوريا هي آخر موطئ قدم روسي في الشرق الأوسطٍ وفي حوض المتوسط.
ويشيرون إلى التواجد العسكري البحري الروسي في ميناء طرطوس، وإلى مشتريات سوريا من الأسلحة الروسية، والعلاقات الاقتصادية النشطة بين البلدين، فضلاً عن أن بعضهم أشار إلى إمكانية استخدام محطات رصد في شمال سوريا، أو إقامتها لمراقبة الصواريخ الأمريكية في تركيا، وغير ذلك من الافتراضات.
في حوار مع دبلوماسي روسي رفيع المستوى، دافع عن الموقف الروسي، فألقى بالمسؤولية على السياسة الأمريكية التي رفضت تأجيل التصويت لمدة أسبوع، ريثما يقوم وزير الخارجية الروسي بزيارة سوريا.
وأكد أن الولايات المتحدة كانت ترغب في أن تستخدم روسيا حق الفيتو لإرباك سياستها، وإظهارها أنها معادية للقيم السياسية الجديدة في العالم، ولقضايا الشعوب، وللعدل والحرية والديمقراطية، ولم تترك أي هامش أمام السياسة الروسية لتجنب الفيتو، ولذلك قررت روسيا ما قررته.
وقال إن قناعته أن سياسة بلاده الحقيقية، ترى أن الأزمة السورية لن تحل إلا حلاً سلمياً بطريق الحوار، وبالتالي فهي تؤكد خطأ الحل الأمني الذي تمارسه السلطة السورية، وخطأ التحشيد الدولي الذي سوف ينتهي بتدخل عسكري في شؤون سوريا.
وأن الموقف الروسي سيكون حازماً، فيما إذا حصل هذا التدخل العسكري، ولذلك سعت السياسة الروسية وتسعى لعقد حوار بين المعارضة والسلطة. لكنه نوه إلى أن تصريحات المسؤولين الروس، حول تحميل المعارضة مسؤولية استمرار الحل الأمني والصراع المسلح، مبالغ فيها.
وهي تعبير عن الغضب من رفض المعارضة المشاركة في الحوار. وعندما سئل أي حوار تعنيه السياسة الروسية وماهو مضمونه، وحول ماذا؟ أجاب أن موقف بلاده ربما كان خاطئاً تجاه معنى الحوار ومبناه
. وفي الحالات كلها، توقع أن يكون الموقف الروسي المقبل أكثر اعتدالاًُ تجاه تأييد موقف السلطة السورية وممارساتها. وبالمناسبة، فإن الأمر نفسه وعد به كبار الدبلوماسيين الصينيين في بكين، خلال محادثاتهم مع وفد من هيئة التنسيق الوطني الديمقراطية (المعارضة السورية الداخلية).
في ضوء ذلك، من المتوقع أن ترحب السياسة الروسية باقتراح أمين عام جامعة الدول العربية، بإجراء حوار مع الروس والصينيين والمتوقع أن يعقد قريباً، وهذا ما صرح به الأمين العام فور انتهاء اجتماع وزراء الخارجية العرب، كما من المتوقع أن يكون للروس موقف آخر مختلف.