كيف قضيت عطلتي الصيفية

بحكم نشأتي في اليونان، كانت قصيدتي المفضلة «إيثاكا» للشاعر اليوناني كافافي. كنا أنا وأختي أغابي نردد تلك القصيدة، قبل أن نتمكن من لفظ كلماتها بشكل صحيح، أو حتى من فهم معانيها. ويقول مطلع القصيدة:

عندما تنطلق في رحلة إلى إيثاكا،

ادع أن تكون رحلتك طويلة،

حافلة بالمغامرات، حافلة بالمعرفة.

لقد عشت أسعد لحظات حياتي في السفر، فما زلت أذكر الإثارة التي منحتني إياها رحلتي الأولى خارج أثينا، عندما زرت باريس وأنا في الحادية عشرة من عمري، وتذوقت للمرة الأولى طعم العالم المحيط بمدينتي. وما زلت أحتفظ بذكريات رائعة عن رحلتي الأولى إلى أميركا، ضمن برنامج «تجربة العيش في دولة أجنبية»، عندما كنت في السادسة عشرة. ولا يسعني أن أنسى الأيام التي أمضيتها في الهند في العام التالي، وذلك أثناء دراستي موضوع مقارنة الأديان في جامعة فيسفا بهاراتي، خارج مدينة كلكتا.

اليوم، وبعد قطعي شوطاً كبيراً من رحلة حياتي الخاصة، اكتمل فهمي للحكمة البالغة والكامنة في أبيات كافافي. وأدركت أن الرحلات التي تحمل كلاً منا إلى إيثاكا الخاصة به، لا تحتاج لأن تكون طويلة. هناك الكثير من المغامرات والمعرفة التي يمكن العثور عليها قريباً من المنزل، بل حتى دون مغادرة المنزل. قد أكون ممن يسافرون كثيراً للعمل، إلا أنني، على الرغم من الجاذبية التي تتمتع بها الأماكن البعيدة والغريبة، أجد جاذبية أقوى في استكشاف الأماكن القريبة من منزلي.

حتى قبل الركود العظيم، أثبت انتشار ظاهرة قضاء العطلة في المنزل، أننا بتنا ندرك أن ركوب الطائرة لا يشكل جزءاً أساسياً من المغامرة والاكتشاف، وأنه لا توجد علاقة بين ما توفره العطلة من تجديد للنشاط، وبين عدد الأميال المقطوعة.

ربما بسبب السرعة وتعدد الروابط وكثرة الانشغال التي تحيط بحياتنا، أصبحنا نقدر أهمية الراحة وتجديد الطاقة في المنزل. وليس هناك وقت أنسب من آخر أيام الصيف، لإعطاء السفر معنى جديداً، من خلال التوقف، والتفكير بعمق، والنظر في أرجاء المناطق المحيطة بمنازلنا، بأعين جديدة، قبل الاستعداد للانطلاق في رحلة طويلة تأخذنا إلى أرض بعيدة.

ويمكنك ابتداء عطلتك بطريقة ممتعة، من خلال شراء دليل خاص بالمكان الذي تقطن فيه، وعندها ستفاجأ بعدد الوجهات المحلية الرائعة التي لم تعرف عنها شيئا من قبل، وبعدد المعالم التي تمر بها كل يوم، ولكنك تمتنع عن زيارتها لاعتقادك أنها مجرد فخاخ سياحية، أو لأنك شاهدتها مراراً وتكراراً، لدرجة أنك لم تعد تنظر إليها مجدداً.

وحتى لو لم تكن تنوي الذهاب إلى أي مكان، لا تتردد في تحديد ميزانية لعطلتك، واستمتع بالشعور بالارتياح عندما تكتشف أن المبلغ المخصص للإجازة، يكون أكثر بركة عندما لا تضطر للدفع مقابل ركوب الطائرة أو الإقامة في الفندق.

وينشأ عدد من فوائد العطلة، من كسر الروتين والخروج عن المألوف، واكتشاف العالم من حولنا بطريقة جديدة. ولا يقاس المعنى الحقيقي للسفر، بعدد الطوابع الملصقة على جوازات سفرنا، وإنما بمدى فهمنا لمكان ما، من خلال الاستكشاف والمحاولة.

وكميزة إضافية لاستكشاف الأماكن القريبة من المنزل، ليس هناك ما يدعو للقلق بشأن رحلات الطيران، أو تأخرها، أو متاعب السفر الجوي التي لا تعد ولا تحصى.

وفي الصيف الجاري، مع انطلاق فروع جديدة لموقع «هاف بوست» وتوسيعه على مستوى عالمي، لم يكن لدي متسع من الوقت لقضاء عطلة «تقليدية». لذلك، ابتكرت عطلتي الخاصة في المنزل، والتي تضمنت جلسات تدليك في نهاية الأسبوع، وجلسات عناية بالبشرة، إلى جانب دروس في اليوغا، وحملات استكشاف للحي الذي أسكن فيه.

وبفضل هذه العطلة، أدركت، على سبيل المثال، أنني أعيش على بعد مسافة قصيرة من حديقة هاي لاين، وهي حديقة نيويورك الرائعة التي أقيمت على سكة حديد سابقة. كما اكتشفت أنني لا أبعد كثيراً عن مسرح تشيري لاين، حيث شاهدت مؤخراً مسرحية جديدة ممتعة بعنوان «التلاعب»، أو عن مقهى كلوني الذي تذوقت فيه أشهى آيس كريم بالفستق، وهو ألذ من أي جيلاتي بالفستق يقدم في كابري.

وعلى بعد أمتار قليلة من مقر هاف بوست الجديد، اكتشفت وجود حانة مكسورلي الأسطورية، التي لم تسمح بدخول النساء حتى عام 1970، والتي بقي مصباحها الذي يعمل بالغاز، مغطى بغبار الحرب العالمية الأولى حتى إبريل الماضي، عندما أمر قسم الصحة المحلي بمسحه.

لقد بذلت جهداً حقيقياً لرؤية الحي المحيط بمنزلي بأعين جديدة، وقد كانت تلك الشذرات من التاريخ المحلي الحافل، مكافأتي الفورية.

وباختصار؛ لقد منحتني عطلتي، التي لم أسافر فيها، مزيداً من الوقت لأجدد نشاطي، وأتأمل وأستمتع بأحد نشاطاتي المفضلة، وهو تكديس ما لدي من عمل، والبقاء في السرير صباح الأحد، وإجراء المكالمات، والرد على رسائل البريد الإلكتروني.

لقد كانت بمثابة تذكير هادئ، بأنه عندما يتعلق الأمر بالسفر، فليس من الضروري أن تكون الرحلة إلى المعرفة والمغامرة رحلة طويلة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon