عن أحادية التفكير والمواقف

هل أساس العطب في الجسم العربي هو أولاً في الفكر السائد فيه؟ والحديث عن الفكر هنا لا يعني النخب المثقفة في المجتمع فقط، بل هو شامل لما يسود الأمَّة من تراث فكري ومعتقدات وعادات وتقاليد ومفاهيم لأمور الدين والدنيا، شكّلت بمجملها الواقع العربي الراهن. فالفكر السائد الآن في المنطقة العربية تغلب عليه الانتقائية في التاريخ وفي الجغرافيا، بحيث يعود البعض في تحليله، لغياب الديمقراطية في الأمَّة مثلاً، إلى حقبة الخمسينات من القرن الماضي وما رافقها من انقلابات عسكرية، وكأنّ تاريخ هذه الأمَّة كان قبل ذلك واحةً للديمقراطية السليمة! الحال نفسه ينطبق على ما تعيشه الآن الأمَّة العربية من ظواهر انقسامية مرَضيّة، بأسماء طائفية أو مذهبية أو إثنية، حيث ينظر البعض إليها من أطر جغرافية ضيّقة، وبمعزل عمّا حدث ويحدث من تدخّل خارجي في عموم الأمَّة، كما هو أيضاً الفهم الخاطئ أصلاً للدين أو للهويّة القومية، اللذين يقوم كلاهما على التعدّدية ورفض التعصّب أو الانغلاق الفئوي. أيضاً، تظهر المشكلة الفكرية بشكل حادٍّ في كيفيّة قبول بعض العرب والمسلمين عموماً، لمبدأ استخدام العنف الدموي المسلّح ضدَّ مدنيين أبرياء في أيِّ مكان، دون وجود ضوابط فكرية حازمة ترفض هذا الأمر.

فلِمَاذا كُتِب على الفكر العربي المعاصر أن يكون أحادياً ضيّقاً في معظم المراحل والتجارب التي سادت في القرن الماضي وحتّى الآن؟! إذ منذ سقوط الدولة العثمانية وخضوع المنطقة العربية للاحتلال أو الهيمنة الغربية، مروراً بمرحلة الثورات والانقلابات العسكرية، خضع الفكر العربي لثنائية قطبية، جعلته في معظم الأحيان يقوم على احاديةٍ فكرية تناقض أيّ فكرٍ آخر. فالفكر الليبرالي العربي المتأثّر بالغرب، كان في مطلع القرن العشرين يطرح نفسه وكأنّه بحالٍ نقيض للدين وللهويّة القومية، في مقابل تيّارات دينية أو قومية اتّسمت أيضاً بالأحادية التفكيرية. ولم يكن النصف الثاني من القرن العشرين أفضل حالاً، فالفكر القومي العربي برز في الخمسينات والستينات، دون تلازم واضح مع البعد الديني الحضاري الهام في الحياة العربية، ولا مع الممارسة الديمقراطية كأساس للتجربة الداخلية السياسية وللعلاقات القومية على الساحة العربية.

ثمّ جاءت أعوام الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، لتسود فيها طروحات «الفكر الإسلامي» التي تصادمت في معظمها مع الهويّة القومية ومع المسألة الديمقراطية، بل إنّ بعض الحركات الإسلامية استباحت استخدام العنف المسلّح ضدّ أبناء الوطن الواحد، لمجرّد الاختلاف معهم أو بحجّة العمل لتغيير المجتمع، كما حدث خلال تلك الحقبة الزمنية في بعض البلدان العربية!

أمّا الآن، فالمنطقة العربية تشهد ظاهرة «الفكر الديمقراطي»، بمعزل عن أيّة قضية أخرى، حتّى بمعزل عن حرّية الأوطان ووحدة المجتمعات. وهكذا تنتقل الأمَّة من فكرٍ أحادي إلى آخر مشابه: فلا الفكر القومي استطاع الاستقامة على ركائز سليمة، ولا طروحات الفكر الإسلامي كانت ناضجة وواضحة المفاهيم أو مكتملة العناصر المعبّرة عن احتياجات المجتمع، ولا الطروحات الديمقراطية الآن تغني من جوع أو تحرّر أرضاً أو تحفظ وحدة شعب. فلِمَ هذا الفصل المفتَعل بين أهداف واحتياجات الأمَّة وشعوبها؟ ولِمَ الأحادية في الطروحات الفكرية، بينما تعاني البلاد العربية من أمراض مشتركة لا تكفي لإنقاذها بين فترةٍ وأخرى مسكّناتٌ فكرية، ولا يحتمل جسدها مزيداً من تجارب المتخرّجين الفكريين الجدد، أو أولئك الذين وضعوا رؤوسهم في الرمال وفكرهم في قوالب التكلّس، ويكتفون بالحديث عن مسؤولية العدوّ الخارجي فقط، وهم يسبحون في بحرٍ من الأمراض!

إنّ إصلاح الفكر العربي، بشموليته التاريخية والجغرافية، لا يضع الأهداف السليمة للمستقبل فقط، بل يحدّد أيضاً ضوابط الأساليب ووسائل العمل التي تكفل النجاح والتغيير والتقدّم. وهو المدخل لإصلاح الأعطاب الداخلية بكلّ أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أنّه الأساس لإصلاح العلاقات العربية ـ العربية وبناء تكامل عربي فاعل على مختلف الأصعدة.

فالمفكّرون والمثقفون والإعلاميون العرب، معنيون الآن بالتفكير في كيفية وضع «مشروع نهضوي عربي مشترك»، وليس فقط في التحليل السياسي للواقع الراهن.. ففي هذه الأيام يكثر المحلّلون السياسيون لحاضر الأمَّة، ويكثر أيضاً المفكّرون القابعون في ماضي هذه الأمّة، لكن يقلّ المُعدّون لمستقبلٍ أفضل لهذه الأمّة.. علماً أنَّ الأمّة التي لا يفكّر أبناؤها لمستقبلها، تنقاد لما يفكّر له الغرباء.. وهم الآن في عقر دارنا!

وما هو سائدٌ في المنطقة العربية من نمط فكري أحادي، انعكس أيضاً على مسألة الهويّة وعلى المواقف والتحليلات السياسية، حيث أصبح البعض يتصور تناقضاً بين «الهويّة الوطنية» و»الهويّة العربية»، أو بين الدين وهاتين «الهويتين». كذلك انسحبت الأحادية على الرؤى السياسية لأزمات وصراعات تحدث على الأرض العربية. فبعض العرب يؤرّخ لعصر الهزيمة والتراجعات الذي تعيشه الأمّة العربية، بالعودة إلى النصف الأخير من القرن الماضي فقط، فكثيراً ما نسمع ونقرأ عن الستين سنة الماضية، وكأنّها عصر الانحطاط الذي استتبع «العصر الذهبي» للعرب.. فهل هذا صحيحٌ تاريخياً؟ وهل صحيح أنَّ العصر الانهزامي الانقسامي العربي الراهن، بدأ حصراً مع تاريخ نكبة ‬1948 أو مع هزيمة ‬1967؟!

ولكن، ماذا عن النصف الأول من القرن العشرين وما جرى فيه أيضاً من سلبياتٍ فرضت نفسها على الأمّة العربية كلّها؟ وماذا أيضاً عن مسؤولية جماعات الفكر والثقافة والدعوة التي عايشت تلك الفترة، فاتّجه بعضها يدافع عن «التحديث الأوروبي» القادم للمنطقة، بينما راح بعضها الآخر يبرّر سلبيّات الحقبة العثمانية ويعيش حلم يقظة بالعودة إليها؟!

قلّةٌ قليلة فقط هي التي خرجت تواجه المأزقين: مأزق «الماضي العثماني» ومأزق «الحاضر الاستعماري الأوروبي».. قلّةٌ كان من أبرز أعلامها الأفغاني وعبده والكواكبي وآخرون، طالبوا جميعاً بإصلاح الفكر والذات في العالمين العربي والإسلامي، كمدخل وحيد لبناء مستقبلٍ أفضل.. لكن فكر وحركة هذه الثلّة من الإصلاحيين العرب والمسلمين، بقيا أسيريْ الكتب ولم يتحوّلا إلى حركة تغيير شعبية شاملة، وبقي المجتمع العربي أسير أحادية التطرّف نحو التحديث الغربي، أو التطرّف في العودة إلى الماضي السلفي.

اليوم، تعيش الأمّة العربية أوضاعاً مشابهة لما كانت عليه منذ مئة عام.. وأيضاً، تتكرّر اليوم أخطاء القرن الماضي، من حيث الاشتراك العربي في وصف الواقع الحاضر، لكن مع عدم الاتفاق على مشروعٍ عربيٍّ مشترَك للمستقبل. ولن يشهد هذا «المشروع المستقبلي العربي» النور، ما لم يحصل إصلاحٌ ونهضة في واقع حال جماعات الفكر ومؤسسات المجتمع المدني العربي، وفي مقدّمة هذا الإصلاح المنشود؛ التخلّي عن فكر ونهج الأحادية الضيّقة.

 

مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon