معروف كيف اهتمت أمريكا بالمنطقة، وكيف رسمت خطة أول انقلاب في المنطقة في سوريا وأدوار الشركات والسفارات، وكل ما يتعلق بأي رجل أمريكي أو بريطاني يعمل لحساب الاستخبارات بأي قطر، ولعل كتاب «لعبة الأمم» (لمايلز كوبلاند) كان مثار الجدل بين أوساط عربية ودولية، بكشفه الأدوار التي أعطت أمريكا وبريطانيا تغيير كراسي الحكم في أكثر من بلد عربي وخارجي منذ أوائل الستينات وحتى اليوم..

الاتجاه الأمريكي لم يتغير، بل تطور وفقاً لكل مرحلة، وبقيت إسرائيل الهم الرئيسي في أي تحرك بالمنطقة العربية، لكنها في سنواتها الأخيرة، ومنذ الخدعة الساذجة التي غررت بها الدولة العظمى شخصيات عراقية كانت ضمن دائرة المتعاونين مع أجهزة استخباراتها والموثوق بهم، تحالفت الرغبة في الإطاحة بالنظام الصدامي لامتلاكه أسلحة دماء شامل، لكن الهدف اسطوري خرافي كشف أن الرئيس بوش الابن كان على ثقة أن «يأجوج، ومأجوج» سوف يخرجون من العراق ويدمرون الدين المسيحي بكل طوائفه ولذلك سارع للاستيلاء على العراق لهذا الهدف، وبصرف النظر عن اختلاط العمل السياسي بالخرافة، إلا أن السفارة الأمريكية في بغداد لا تزال تمارس عملها بشكل لم يغير انسحاب قواتها منه..

فقائمة علاوي كشفت كيف أصبح السفير الأخير يدير الحكم ببغداد من خلال لعبة أمم جديدة، وأنه منحاز للطائفة الشيعية وبلا تحفظ، مما يثبت أن إيران دخلت العراق من البوابة التي فتحتها أمريكا، وساعدت على تصفية مختلف الطوائف والتيارات، هذا إذا لم يكن قطع العراق عن محيطه العربي، متفقاً عليه مسبقاً مع إيران..

الثورات العربية الجديدة، وإن ظلت الصورة تقول إنها انفجار شعبي قادته مجموعات شبابية ليس لها اتجاهات حزبية، إلا أن المثل القائل «الأفكار تبتكرها الأرانب وتستغلها الأسود» صورة للواقع الجديد، أي أن تلك الفئات مهدت الطريق لقوى إسلامية أن تصعد وتهمش من قادوا تلك الثورات، والدلائل المسربة من أمريكا وإسرائيل ودول أوروبية تراقب وتساهم بحركة المستجدات العربية، تفصح أن خبراء وأموالاً، ووسطاء أمريكيين هيأوا لتلك العمليات ودعموا الكثير من التيارات من خلال خطط وضعت سلفاً..

قد يلوم الكثير من العرب مثل هذا الاتهام وعدم تصديقه، لكن ما جرى بكشف شخصيات وتنظيمات قامت بالحوار، والأدوار الخفية، وكيف نشأت أزمة بين مصر وأمريكا، يعرف أن الدولة العظمى لم تكن غافلة أو أنها فوجئت، كما يزعم البعض بحركة الربيع العربي..

قطعاً لا يجوز التضخيم من العمل الأمريكي، وكأنه داخل مسام أجسامنا وأدمغتنا، وأنه وحش هائل يتحرك بآلات وعقول لا يمكن تحديد ما تريد، وما تقوم به، لكن بنفس الوقت علينا أن نفهم أننا محاطون بسياسة أمريكية تريد رسم خططها وفق مصالحها المتعددة..

فهي دولة يعاديها العالم ويحتاجها، وهنا مركز الثقل، فحتى زمن الاتحاد السوفييتي، ظلت القوة الأكثر تأثيراً في العمل السياسي والاقتصادي والتقدم التقني، وهي التي بدعايتها، الجهنمية استطاعت إسقاط الغريم الشيوعي، لكن أدوارها في منطقتنا تنصب على معادلة إسرائيل بالوطن العربي كله، وهذا أمر يختصر النظرة لها، بأنها عدو لا بد من التعامل معه، لكن بفهم خططه والدور الذي يستهدفه، وبحذر الواعي، لا من تخدعه أساليب السياسة..