عنف بلا ضوابط صبحي غندور

عنف بلا ضوابط

القتل العشوائي لأناس أبرياء، هو أمر مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو يتكرّر رغم ذلك في أكثر من زمان ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية.

ثمّ تزداد المأساة عمقاً حينما يعطي بعض المحلّلين السياسيين الأعذار لهذه الجماعات ولأعمالها، وكأنّ الحرام يصبح حلالاً لمجرّد وجود مشاكل اجتماعية أو سياسية في هذا المكان أو ذاك.

إنّ قتل النفس البريئة هو جريمة بكلِّ المعايير، مهما ارتدى الفاعل المجرم من عباءات دينية أو طائفية أو وطنية. فلا تغيير المجتمعات يصحّ بالعنف الدموي، ولا تحرير الأوطان يبرّر قتل الأبرياء.

إنّ اتساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام، أصبح ظاهرة خطرة على صورة الإسلام نفسه، وعلى المسلمين وكافّة المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا أمر يضع علماء الدين أولاً أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، فهم إمّا فاشلون عاجزون عن ترشيد السبيل الديني في هذه المجتمعات، أو أنّهم مشجّعون لمثل هذه الأساليب.

وفي الحالتين، فالمصيبة كبرى. كذلك هي مشكلة غياب المرجعيات الفكرية الدينية التي يُجمِع الناس عليها، وتحوّل الأسماء الدينية إلى تجارة رابحة يمارسها البعض زوراً وبهتاناً.

لقد أصبح العنف ظاهرة بلا ضوابط، وهذا نراه في مجتمعات تسعى للتغيير، وأخرى للتحرّر، وفي كلتا الحالتين تسير أمور هذه المجتمعات من سيئ إلى أسوأ. فالتغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس، يؤدي حتماً إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعات أهلية دموية، وإلى مبرّرات لتدخّلٍ إقليمي ودولي.

لقد عاشت المنطقة العربية في العقد الأول من هذا القرن الجديد، حقبة خضعت الأحداث فيها لمتطرّفين دينيّين وسياسيين تولّوا حكم أكبر قوة في العالم (الولايات المتحدة)، وأكبر قوة إقليمية في الشرق الأوسط (إسرائيل)، بينما لم تغب سمة التطرّف الديني والسياسي أيضاً عن بعض من رفعوا شعار مواجهة مشاريع التطرّف الأميركي والإسرائيلي.

فقد كان العام 2001 عام بروز دور «القاعدة» ووقوع أحداث الإرهاب في أميركا وغيرها، على أيدي جماعات متطرّفة بطابع ديني إسلامي. أيضاً، كان هو عام بدء حكم «المحافظين الجدد» في أميركا، مع ما حصلت عليه إدارة بوش من دعم التطرّف العقائدي لها بطابع ديني مسيحي، كما كان عام وصول شارون لرئاسة حكم إسرائيل على قاعدة تطرّف ديني يهودي.

السّمة المشتركة بين كل جماعات التطرّف هنا وهناك أنّها استغلّت شعارات دينية واستخدمت العنف المسلّح بأبشع صوره ولم تميّز بين مدني وعسكري، ممّا جعل معارك هذه الأطراف تخدم كلٌّ منها الآخر عمليّاً، وإنْ كان يناقضه نظريّاً.

كانت إدارة بوش هي المسؤولة أولاً عن إشعال مشاعر الغضب، في العالم بأسره، ضدّ الولايات المتحدة حينما قامت بشنّ حرب على العراق، دون أيّة مشروعيّة دوليّة ولصالح أجندة الحاكمين في واشنطن.

وكانت السياسة الأميركيّة في العراق هي المسؤولة عن تشجيع الفلتان الأمني فيه، وتحويله لساحة صراع مع جماعات التّطرّف العربية والإسلامية الّتي انتقلت من حال التمركز في العراق إلى توسيع الدائرة الإرهابيّة في عموم المنطقة. وما بين التطرّف هنا، والتطرّف المعارض هناك، تهدّدت وحدة بعض الكيانات العربيّة، وتهدّد الاستقرار والأمن والاقتصاد والحياة الاجتماعية في أكثر من بلد عربي.

إدارة بوش كانت ترى أنَّ «الفوضى» في المنطقة العربيّة قد تكون مدخلاً لأوضاع أفضل، في حين أنّ هذه «الفوضى» حملت مؤشّرات لحروب أهليّة وشروخات في المجتمعات العربيّة، وبيئة ممتازة لمزيد من جماعات العنف المسلّح والإرهاب.

أمّا نهج التطرّف الإسرائيلي، الذي استفاد أولاً من هذه الأحوال كلّها وممّا حدث في سبتمبر 2001، فقد وصلت ممارسته العدوانية الإرهابية على الشعبين الفلسطيني واللبناني إلى طريق مسدود أيضاً، بل إلى عجز عن إنهاء ظاهرة المقاومة ضدّ الاحتلال، رغم كل المحاولات الإسرائيلية للمزج بين الإرهاب المرفوض والمقاومة المشروعة.

إنّ المسؤولية الأولى تقع حتماً على من مارس ويمارس العنف والإرهاب ضدّ الأوطان والشعوب، كما فعلت إسرائيل ولا تزال في الأراضي المحتلّة، وكما كانت حروب إدارة بوش وما نتج عنها من قتل مئات الألوف من المدنيين، ومن تهديم لمقوّمات وحدة المجتمعات.

لكن هذه الممارسات الإسرائيلية والأميركية امتزجت أيضاً مع أعمال عنف منبوذة، كالعمليات الانتحارية التي قامت بها جماعات عربية وإسلامية ضدّ مواطنين أبرياء في مواقع مدنية، وفي الغرب والشرق معاً.

لذلك، فإنّ الموقف المبدئي الرافض لهذه الأساليب أينما مورسَت هو المطلوب، لا الاكتفاء بالإدانة النسبية فقط تبعاً لاختلاف المكان. إنّ «المدرسة العنفية» في بعض المجتمعات الإسلامية تعيش على حصاد خطايا الآخرين، وتحاول تبرير أساليبها بما ارتكبه الآخرون، إلا أنّها في ذلك إنّما تخدم أيضاً الطرف الذي تدّعي هذه الجماعات بأنّها تحاربه وتستهدفه.

بل إنّ نشأة بعض هذه الجماعات العنفية العاملة بأسماء إسلامية، هي أصلاً نشأة مشبوهة وُلِدت في رحم المخابرات الأميركية خلال حقبة الصراع الأميركي مع القطب الشيوعي

. فخلال فترة المواجهة الأميركيّة مع الاتحاد السوفيتي، استعانت واشنطن بالكثير من الحركات السياسيّة الإسلاميّة، بل بالدعوة الدينيّة عموماً لإضعاف الدول الشيوعيّة، كما جرى في أفغانستان الّتي قاتل فيها مع الأميركيين ضدّ النظام الشيوعي من هم الآن قيادات في جماعات «القاعدة» و«طالبان»، وتساهلت واشنطن أيضاً مع سقوط نظام الشاه في إيران وما استتبعه من نموّ التيّار الديني الإسلامي على الأبواب الشّرقيّة للاتحاد السوفيتي.

وقد كتب الكثيرون عن حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. بعضهم كتب منذراً بخطط أميركيّة وإسرائيليّة عن جعل «الإسلام» هو «العدوّ الجديد» للغرب، والبعض الآخر كتب في أميركا والغرب مبشّراً بنظريّة «صراع الحضارات». لكن كانت كلّها مجرّد كتابات وحبر على ورق إلى حين وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001.

إذن، أليس من الحماقة في الأفعال أو الردود عليها، أن تسير الأمور في العالم الإسلامي بهذا الاتجاه الّذي جرى طوال عقد التسعينات التحذير منه؟ وما هي المصالح الإسلاميّة من تأجيج مشاعر الكراهية لدى شعوب دول الغرب؟! أيضاً، ما المصلحة العربية في خوض «معارك إسرائيليّة» من خلال تحقيق ما كان يندرج في خانة «المشاريع الإسرائيليّة» للمنطقة، من انقسامات طائفية ومذهبية وعرقية تُهدّم وحدة الكيانات الوطنيّة؟!

يبدو أنّ إسرائيل لم تنجح فقط في إقناع الغربيين بالعدوّ الإرهابي الجديد (الإسلامي/ العربي) القادم من الشرق، بل هي نجحت أيضاً في «إقناع» بعض العرب والمسلمين بهذه المقولة، فأصبحوا يمارسونها هم أيضاً قولاً وعملاً!

مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

alhewar@alhewar.com

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon