صدر هذا الكتاب في الصيف الماضي ليشكل حلقة مستجدة في سلسلة الدراسات الأميركية التي يعدها الاختصاصيون والأكاديميون بشأن تاريخ وتطورات العلاقات بين أميركا ومنطقة الشرق الأوسط، وربما يتميز منهج هذا الكتاب بأنه يركز على منطقة العالم العربي بالذات دون التطرق إلى ما قد ينصرف إليه تعريف الشرق الأوسط من أقطار وشعوب لا تنتمي إلى الأمة العربية.

خاصة وأن مسار العلاقات الأميركية الخارجية مازال واحدا من أكثر العوامل تأثيرا بالإيجاب والسلب في منظومة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية حيث يرجع ذلك على نحو ما يوضح هذا الكتاب إلى محطات بارزة في القرن العشرين منها مثلا دعوة الرئيس الأميركي الأسبق ويلسون إلى منح الشعوب حق تقرير المصير، ومنها أيضا ظهور البترول في الأصقاع العربية ليشكل عاملا أساسيا وموردا استراتيجيا ، كما يؤكد مؤلف الكتاب ، لا من الناحية الإستراتيجية وحسب.

ولكن أيضا من حيث كونه عنصر الطاقة الحيوي اللازم للآلة العسكرية الأميركية التي تطورت خلال الحرب الباردة إلى مستوى يكاد يكون كاملا من الميكنة التي لا تستغني بداهة عن عنصر البترول.

ومن عوامل التأثير الجوهرية أيضا على سياسة أميركا الخارجية تجاه الشرق الأوسط العربي بالذات ما يتصل بما يصفه الكتاب بأنه قضية الصراع العربي الإسرائيلي الفلسطيني وتطوراتها المتعلقة أساسا باغتصاب إسرائيل لوطن الشعب الفلسطيني، هذا فضلا عن مستجدات هذه العلاقة الراهنة وخاصة ما يتعلق بما يصفه الكتاب بأنه الإسلام الراديكالي.

الأميركي للشرق الأوسط

 

 

 

هكذا كان تصورهم أو تخيلاتهم للشرق الأوسط، هذا هو الموضوع الذي تدور عليه محاور الكتاب الذي نعيش مع متونه وأفكاره وطروحاته فيما يلي من سطور. وكم حارت البرية، الغربية بالذات فيما شكلّته من تصورات عن هذا الشرق، الأوسط. وبصرف النظر عن تعبير "التوسط" المذكور فالأهم هو التعبير الأساسي الشرق.

لماذا هو شرق؟ لأنه أولا يقع جغرافيا في النصف الشرقي من الكرة الأرضية، ولأنه ثانيا اكتسب عبر عصور التاريخ لمسات وإيماءات ورؤى وظلالا تغّلفها مسحة من الغموض وتكتنفها غلالة من الأسرار، ويحلق فوق أديمها طائر السحر الأسطوري الجميل.

لهذا اخترعوا لمصطلح "الشرق" تعبيرا مرادفا وربما أكثر اتساما بالرومانسية وهو "الأورينت"، ومن عجب أن لفظة "أورينت" ترجع لغويا إلى معنى الارتفاع في اللغة اللاتينية، أو هو الشروق، وهو ما يربط بين كلمة "الشرق" الجغرافية وبين فعل إشراق الشمس وضحاها حين ترتفع بنور الله في كبد السماء.

ثم أن الشرق، أو هو "الأورينت"، دخل إلى سجل الحياة الإنسانية من باب الأصالة والتحضر والإبداع، وكان ذلك على مهاد من تاريخ أطول وأعرق بكثير كثير من تاريخ الغرب الأوروبي والأميركي على حد سواء، تشهد بذلك موضوعيا حضارات الشرق العريقة، ابتداء من مصر القديمة إلى بابل في بلاد ما بين النهرين، إلى فينيقيا في منطقة الليفانت، شرقي المتوسط، إلى حضارات إيران والهند، وصولا إلى حضارة الصين بكل ما قدمته عبر قرون ما قبل الميلاد من إنجازات وإبداعات.

 

من النيل إلى اليانغ

ولأن هذه الإنجازات، وخاصة تلك التي شهدتها وديان الأنهار الرسوبية، ما بين النيل إلى الفرات وما بين الكانغ إلى اليانغ تسي ظلت متواصلة بشكل أو بآخر على طول السنين، فقد كان طبيعيا أن تحيط بها غلالات السحر وأطياف الغموض، بقدر ما كان طبيعيا أن يشغف الفاتحون والأبطال والمغامرون من غرب العالم أوروبا بالذات بسيرة تلك البلاد.

ذلك الشرق الساحر الغامض، ومن ثم كانت أطماعهم أو مغامراتهم لارتيادها غزوا أو سفرا أو ارتيادا أو استكشافا، وكأن كلا منهم كان يطمح إلى الإمساك بمفاتيح الزمن، كي تهديه إلى مغالق ما أبدعته البشرية في عصور خلت من دفتر التاريخ.

هكذا فعل "الإسكندر" عندما تحرك من اليونان مقدونيا القديمة ليعبر المتوسط إلى مصر، ومنها إلى تخوم فارس وأصقاع أفغانستان.

هكذا فعل "نابوليون" خلال الزمن الحديث، حين أقلعت سفنه من ميناء طولون الفرنسي إلى شواطئ الإسكندرية على ضفاف المتوسط.

 

علماء وفنانون من فرنسا

ولم يكن صدفة أن أطلق الغازي الفرنسي على محاولته العسكرية اسما لا يخلو طبعا من دلالة وهو: الحملة على الشرق (الأورينت).

ولا كان صدفة أن كان في صحبة هذه الحملة الفرنسية رهط من صفوة علماء التاريخ والآثار والجغرافيا والانثروبولوجيا، يرافقهم نفر من أمهر الفنانين والرسامين الذين كان لهم كل الفضل في تصوير حياة أهلنا من عرب مصر والشام في تلك الفترة من مغيب القرن الثامن عشر وبشائر القرن التاسع عشر للميلاد.

وربما جاء في إطار هذا كله تحّول الاهتمام بالشرق أو الأورينت كما ألمحنا إلى أذهان ووجدان الباحثين الأميركيين، وفي هذا الإطار المستجد بدوره، جاءت الدراسة المحورية التي نشرها الباحث الاستراتيجي الأميركي "ثاير ماهان" تحت العنوان التالي: الشرق الأوسط، من السويس إلى سنغافورة.

كان ذلك في عام 1902. وربما كان هذا هو العام الذي جذب اهتمام واشنطن كي تخرج من خندق الاهتمام المقصور يومها على أميركا الجنوبية، إلى حيث استشراف آفاق أوسع وأعلى طموحا ومن ثم الانفتاح على تلك المنطقة التي وصفها "ثايرماهان" بأنها "شرق" و"أوسط".

وإن كان قد رسمها في نوبة من كرم استراتيجي أو جغرافي غريب وطريف، حين وضع حدودها ما بين السويس المصرية العربية عند مداخل البحر الأحمر إلى سنغافورة ، الجزيرة الآسيوية التي ما برحت تمارس شطارتها فيما تحيط بها مياه المحيط الهندي.

ولأن الدنيا تتغير، فقد كان طبيعيا أن تتغير نظرة الغرب الأورو- أميركي إلى الشرق بكل أجزائه، وخاصة جزئه الذي يطل على سواحل البحر الأبيض المتوسط عند شرقها والجنوب.

 

البداية عام 1918

وربما بدأ هذا الاهتمام من المنظور الأميركي نفسه بالذات في عام 1918، وهو عام انتهاء الحرب العالمية الأولى، إلى أن بلغ ذروة، أو فلنقل وصل إلى مفترق طرق في عام 1967 وهو عام الانكسار العسكري والنفسي الذي أصاب أمة العرب وهي محور هذا الشرق وأهم مكوناته.

عام 1918، وعام 1967 هما محطتا الزمن الحديث المعاصر اللتان يتوقف عندهما مؤلف كتابنا، البروفيسور ماثيو جاكوبس الذي لم يركز كثيرا عند المنظور الرومانسي الأورينتالي كما قد نسميه- ولكن توقف عند المنظور السياسي الدبلوماسي الذي اختار الأكاديمي الأميركي أن يطل من خلاله على آفاق وتطورات علاقة أميركا بهذه المنطقة وبأهلها ودولها وشعوبها، لهذا جاء العنوان الفرعي لهذا الكتاب ليقول ما يلي: بناء سياسة خارجية أميركية: 1918 1967:

وبالمقياس نفسه، قدمت الأوساط الفكرية الأميركية لهذا الكتاب ومقولاته في عبارة موحية تقول: أثر التصور الماضي على التعاطي الراهن من جانب الولايات المتحدة مع المنطقة.

أبعاد الاهتمام الأميركي

وإذا كان هناك من المحللين من لاحظ إمكانية أن نقرأ كل فصول من فصول هذا الكتاب على حدة، إلا أن ثمة خيطا جامعا بين الفصول، وهو خيط المصلحة القومية العليا للولايات المتحدة في حال تشابكها مع المصالح الاقتصادية الأميركية وخاصة ما يتعلق بالبترول، ثم تأتي الأبعاد السياسية التي ارتبطت بدورها بحقبة الحرب الباردة بين معسكري الغرب بقيادة واشنطن والشرق بقيادة موسكو، وهي حقبة الأحلاف التي رفضتها حركة التمرد والاستقلال الوطني في العالم العربي، حتى لا يدخل العرب من جديد في مناطق النفوذ الإمبريالي، ولو بأساليب مستجدة أو مغرية أو متطورة.

غير أن الكتاب يقف مليا، وله الحق، عند منعطف بالغ الأهمية، ويتمثل بداهة في عنصر البترول. في هذه النقطة يعمد المؤلف إلى الربط بين احتدام الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب خلال السنوات الخمسين أو نحوها من القرن الماضي، ثم يتابع ما طرأ على الآلة العسكرية لكل من المعسكرين من تطورات جذرية، وخطيرة ،بل ومذهلة وبعض الأحيان.

هذا التطور الخطير في الآلة العسكرية أسفر عن ظاهرة حملت وصف ميكنة الجيوش بمعنى أسبقية الآلة العسكرية على الجندي المقاتل، وكان لابد لهذه الميكنة من وقود يدفع قاطرتها ويغذي تسيير آلياتها، وكان هذا هو الدافع المحوري عند مؤلف هذا الكتاب إلى الاهتمام الشغوف والمتواصل من جانب أميركا بالذات بعنصر البترول العربي أو إن شئت الشرق أوسطي.

هذا فضلا عن ضرورات البترول أيضا بالنسبة لدفع عجلة الانتاج الصناعي في الغرب بعامة، وأيضا بالنسبة للاستئثار بالأرباح الهائلة التي تجنيها احتكارات نقل وتسويق البترول التي تمثل استثمارات غربية على رأسها بنوك وشركات أميركية في الأساس.

 

سؤال مطروح

في ضوء هذا كله يعمد مؤلف كتابنا إلى رسم وتحليل ما يصفه بأنه شبكة غير رسمية ربطت ما بين أميركا وأطراف الشرق الأوسط من خلال تلك الحقبة الممتدة من القرن العشرين. وكانت الشبكة المذكورة تضم عناصر شتى ما بين الأكاديميين إلى رجال التجارة والأعمال إلى عناصر حكومية والاختصاصيين في وسائل الإعلام".

هنا يصبح السؤال المطروح هو: ترى، كيف كان تصُّور عناصر هذه الشبكة الأميركية غير الرسمية للشرق الأوسط؟

يجيب كتابنا موضحا أن هذه العناصر الأميركية ظلت تطل على الشرق الأوسط وتتعامل مع أطرافه وفعالياته من منطلق تصور أن المنطقة تتسم بخصائص شتى تجمع ما بين العناصر أو السمات التالية: عنصر الدين، وعنصر السياسة، وثم آفة التخلف في مضمار التنمية فضلا عن عنصر جوهري، كما يراه الكتاب، ويصفه بأنه التصاعد المستمر في الصراع العربي الإسرائيلي الفلسطيني.

 

مطلوب إعادة نظر

وفي ضوء هذا الطرح يدعو المؤلف إلى معاودة النظر في منطلقات ومحاور السياسة الخارجية للولايات المتحدة من حيث علاقتها بالمنطقة، مع مراجعة التصورات التي تقَادَم العهد ببعضها وقد كانت موروثة من مراحل انقضت من الزمن.

وخاصة ما يتعلق بأسلوب تعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط وشؤونه وقضاياه وتحولاته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 (ولقد نشير أيضا إلى مستجدات الأوضاع السياسية والدستورية التي استجدت بدورها مع مستهل العقد الثاني من القرن الحالي ولاسيما في ساحة مصر العربية وفي غيرها).

وإذا كان من النقاد مَنْ وَصَفَ الحقبة السابقة من القرن الماضي بأنها كانت فترة التشكيل والصياغة لمبادئ ومعايير ومنطلقات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، فالحاصل أن سطور الكتاب تكاد تفصح عما يشبه التحذير من مغبة أي تعارض، بل أي تصادم يمكن أن يقع بين التصورات والمواقف والسلوكيات السياسية الأميركية وبين قوى يراها الأميركيون فاعلة في الساحة الشرق أوسطية الراهنة وخاصة ما تصفه سطور الكتاب بأنه "قُوى الإسلام الراديكالي".

وهو ما يدفع المؤلف للمناداة بما يمكن وصفه بأنه "إعادة تدارس وتحليل مفردات وتطورات العلاقة بين تلك القوى وبين آلة السياسة الخارجية الأميركية، وخاصة إذا ما تسنى لقوى الحزب الجمهوري (المعارض حاليا في أميركا) أن تشغل مقاعد السلطة في واشنطن بكل ما تعبر عنه حاليا من مواقف وتوجهات تتعارض في نهاية المطاف مع ما يعتمل في وجدان شعوب الشرق الأوسط من وآمال وطموحات، سواء في توسيع رقعة التحول الديمقراطي أو في التوصل إلى حلول عادلة للقضايا العربية وفي مقدمتها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير.

 

من أجل القراءة

من هنا يأتي وصف المحللين للكتاب بأنه ينطوي على عنصر إيجابي يشوبه الاستفزاز على نحو ما يذهب إليه مفكر أميركي هو "دوغلاس لينك" الأستاذ بجامعة "كلارك" وهو صاحب كتاب في الموضوع نفسه بعنوان "الاستشراق الأميركي: الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ عام 1945".

والاستفزاز البنّاء في هذا السياق يتمثل في ميزة كتابنا الذي بدأ استعراضه لحالة الاستشراق الأميركي مع تلك العلاقة التي بدأت إيجابية في عام 1918 بين الشرق الأوسط وبين الحركات الاستقلالية العربية (عن الدولة التركية العثمانية) وذلك بعد إعلان الرئيس الأميركي ويلسون (1856 1924) مبادئه الأربعة عشرة الشهيرة وقتها باسم "حق الشعوب في تقرير المصير".

وإذا كان كتابنا يطل على منظور أميركا نحو الشرق الأوسط، فهو يعرض في لمحات إلى على منظور شعوبنا في الشرق الأوسط إلى مسار وتحولات السياسة الأميركية تجاه المنطقة وقد بدأت كما أسلفنا بسمعة "ويلسون" الطيبة في أوساط المنطقة.

وخرجت معها أميركا ذاتها بسمعة أكثر من طيّبة عند منتصف القرن بحكم بلائها في الحرب العالمية الثانية، فضلا عن نجاح إعلامها وأفلامها الهوليوودية في طرح أسلوب للحياة كان شديد الجاذبية والإغراء للأجيال الطالعة في تلك الفترة.

ولكن بدأت السحب القاتمة تتراكم في سماوات العلاقة بين الطرفين على نحو ما يتابع مؤلف هذا الكتاب وخاصة ما يتصل بالانحياز الأميركي شبه المتوارث لصالح مشروع الاستيطان الإمبريالي الصهيوني باغتصاب الأرض العربية في فلسطين، بكل ما ينطوي عليه هذا المشروع الإسرائيلي من تهديد ماثل وداهم أيضا للسلام في الشرق الأوسط بأسرها، بل ومن تهديد للمصالح القومية الأميركية ذاتها في التحليل الأخير، فضلا عن تعميق سياسات إدارة بوش للشك العربي في نوايا واشنطن حيال العالم العربي.

 

عدد الصفحات: 336 صفحة

تأليف: ماثيو جاكوبس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مطبعة جامعة نورث كارولينا، نيويورك، 2011