بعد انتهاء الحرب الباردة، كان من المتوقع على نطاق واسع أن يتم توسيع نطاق العولمة، لكنها فقدت زخمها منذ ذلك الحين بسبب أزمة الائتمان الناجمة عن أزمة الديون السيادية في أوروبا والركود الاقتصادي الذي أعقب ذلك في جميع أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، تخلت منظمة التجارة العالمية في شهر ديسمبر الماضي عن اختتام جولة جديدة من مفاوضات القواعد التجارية في وقت مبكر.
تجد الدول الكبرى صعوبة في الخروج من المأزق الحالي،على الرغم من الجهود المستمرة لتوسيع اقتصاداتها من خلال الاستفادة من التدابير التقليدية مثل خفض أسعار الفائدة وزيادة الإنفاق المالي. وللتغلب على هذه الصعوبة، لا بد أن تعزز الدول من الابتكار التقني وإصلاح نظمها الاجتماعية وشحذ قدرتها التنافسية. لكنها لا تزال تتلمس طريقها للبحث عن سبل لتحقيق "نمو جديد". والسؤال المطروح هو: كيف يمكن لليابان أن تسهم في تحقيق الإصلاحات في العالم؟
منذ انفجار فقاعة الاقتصاد الياباني في عام 1990، شهدت إمكانياتها السياسية ركوداً، وتشبثت شركاتها بأساليبها التقليدية في التشغيل، وتبنى شعبها مواقف تقوقعية. فمنذ أن تولى الحزب الديمقراطي الياباني السلطة في عام 2009، ارتكب أخطاء متكررة في السياسة الخارجية و تراجع الحضور الياباني على الساحة العالمية. فالأصدقاء في الخارج يرددون تحذيرات بمسحة من السخرية قائلين: "بينما الناس في الصين وكوريا الجنوبية وتايوان ينشطون في الخارج، ما الذي يفعله اليابانيون؟"
نظراً لأن اليابان تستورد الكثير من مواردها وغذائها، فإنه لا يمكن توقع أن يستمر اقتصادها في المضي على ما يرام من دون الانخراط في التجارة الحرة. على الرغم من أن الصين تفوقت على اليابان باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم في عام 2011، فإن اليابان تملك ثاني أكبر احتياطي من العملات الأجنبية يقدر بـ 1.04 تريليون دولار، وما قيمته 3.04 تريليونات دولار من صافي الأصول الخارجية.
وفي الحساب الجاري لليابان، تجاوزت الموازنة على الدخل نظيرتها على السلع منذ حوالي عام 2000. وتتخذ الشركات اليابانية خطوات لتحويل عملياتها إلى الخارج نظراً لقوة الين وتدهور بيئة العمل، مما يسبب القلق العام حول تدهور الصناعات اليابانية.
ومع ذلك، فلو أنها استفادت من هذا الوضع لتحسين تكنولوجياتها و زيادة عمليات الدمج والاستحواذات، فضلاً عن الاستثمارات في الخارج و التوسع بقوة في عملياتها في بلدان أخرى، فإنها ستكون بالأحرى قادرة على تحفيز الطلب الفعّال في الخارج، وفي الوقت نفسه تزيد دخلها.
سوف تتسارع وتيرة الخطوات الرامية إلى تطوير التحالفات الإقليمية مثل اتفاقيات التجارة الحرة خلال السنوات المقبلة، لكن اليابان متخلفة عن البلدان الأخرى في هذا الصدد بفعل التمسك بالمفاوضات التجارية متعددة الأطراف. وزن اتفاقيات التجارة الحرة واتفاقات الشراكة الاقتصادية (التي دخلت حيز التنفيذ أو تم التوقيع عليها) في إجمالي حجم التبادل التجاري لبلد ما تبلغ نسبتها على النحو التالي: 38% للولايات المتحدة و 27.2 ٪ للاتحاد الأوروبي (التجارة الخارجية)، و 35.8% لكوريا الجنوبية و 21.5% للصين. وفي حالة اليابان، تصل النسبة 17.6% فقط.
أبرمت كوريا الجنوبية بالفعل مثل هذه الاتفاقيات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتجري الآن مفاوضات مع الصين في هذا الإطار. وفي مؤتمر التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ الذي عقد في نوفمبر الماضي، أعلنت حكومة رئيس الوزراء الياباني عن قرارها الدخول في مفاوضات للانضمام إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ.
وقد ورد أن اليابان ستنضم إلى مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الصين وكوريا الجنوبية خلال العام الجاري. يتوجب على الحكومة الاستفادة من هذه الفرصة لتقريب اليابان إلى الاتجاه العالمي الذي يتبنى اتفاقيات التجارة الحرة وتحسين بيئتها للشركات الأجنبية. وتعد هذه هي أفضل وسيلة لليابان لتعزيز قدراتها الوطنية.
