رسوم الجدران الكاليغرافي والكاليغرافيتي

كان الفن الكلاسيكي ولا يزال يلقى الثناء والتقدير في المنطقة.. والآن يشق شكل متجدد من أشكال الفن المعاصر طريقه إلى قلوب الناس أيضاً. في السطور التالية يصحبكم جيتو أبراهام في استقصاء عن هذه الظاهرة.

حظي فن الشوارع بسمعة سيئة لفترة طويلة، في ظل ظهور رسومات تخريبية ذات نغمة متمردة ومعادية للرأسمالية. لم تكن الأمور مختلفة في دول عربية أيضاً، حيث كانت السيارات القديمة وصناديق القمامة والمباني المهجورة -أواخر الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي- أهدافاً سهلةً لرسومات الغرافيتي العشوائية والقبيحة غالباً.

وقال مصطفى حلوشي، فنان الشوارع البحريني ومؤسس والمصمم الرئيسي بشركة Moda Interiors: «لطالما أعتقد أن بانكسي كان هو من وضع فن الشوارع على الخريطة. في السابق، كان فن الشوارع يعني رسومات غرافيتي بسيطة وفظة تعبر عن الثقافة التي جاءت منها. كان التعبير الفني ضئيلاً في أفضل الأحوال حينئذ».

وأضاف قائلاً: «خلق أمثال بانكسي وإنفيدر شكلاً فنياً جذاباً من فن الشوارع. وبعد وقتٍ قصيرٍ، بدأت الأشخاص والمعارض الفنية ملاحظة ذلك، وتحول هذا الفن إلى تجارة وهذا ما جعله رائجاً». وفي دولة البحرين الصغيرة، ربما يستغرق الأمر وقتاً أطول قليلاً لتقبل فن الشوارع أو الغرافيتي.

وأوضح حلوشي قائلاً: «البحرين لديها تاريخ بكونها موطناً لفناني الكاليغرافي (فن الخط) الكلاسيكيين وبعض أعمال الكاليغرافي المثيرة للإعجاب. كان هؤلاء الفنانون وما زالوا مُكلفين بالرسم على الجدران في المساجد والمراكز المجتمعية؛ لذلك كان الناس معتادين بالفعل على رؤية الفن على الجدران. ولكن فن الكاليغرافيتي ونسخته المخصصة للشوارع تطور فقط خلال السنوات الخمس أو الست الماضية».

يبدو اسم «عائلة ضاد» شريراً، ويذكر بحروب العصابات والعداوات التي اجتاحت الشوارع المظلمة لمدينة نيويورك الأميركية في السابق، والتي كان فن الشوارع بالنسبة لها بمثابة خلفية.

وبعيداً عن هذا الاعتقاد، اجتاحت هذه المجموعة الشابة والموهوبة التي تضم خمسة من فناني الشوارع -وهم ضياء رامبو وعبد العزيز حسن وعبد العزيز زي سعد ونوس 13 دي وجيو 12- شوارع مدينتي جدة والرياض بالسعودية من خلال أعمالهم الرائعة والغنية في فن الجرافيتي.

وقال عبد العزيز سعد: «نحن جميعاً فنانو جرافيتي وقابلنا بعضنا البعض في مهرجانات ومسابقات فنون الشوارع التي تُنظم هنا. تكونت عائلة ضاد عام 2009 ومنذ ذلك الحين نجحنا في نقل فن الشوارع إلى مستوى آخر تماماً، إذ نعمل الآن كفنانين مفوضين ونتولى تنفيذ مشروعات خاصة ومشروعات فنية تجارية في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى الرسم على الجدران».

وأضاف قائلاً: «يملك كل منّا أسلوبه الخاص، وتشمل هذه الأساليب أنماط حروف الكتابة الرائجة، والتصميمات الهندسية المجردة، والكاليجرافيتي، وحتى الكتابة بالحروف الإنجليزية الأنيقة».

عام 2013، افتتحت العائلة متجر ضاد وأصبحوا الموزعين الوحيدين لأدوات الجرافيتي الشهيرة «مونتانا كانز جيرماني» في البلاد. حروف أنيقة

يقيم فنان الشوارع «Sya One» في مدينة دبي منذ 11 سنةً، حيث تزين رسوماته جدران كل الأماكن المسموح بها في دبي تقريباً «بما فيها جدران المجمع السكني الذي يقع به منزله الخاص»، ويرى أن الانتشار الواسع للحركة الفنية والجهود المضنية وراءها هما سبب شعبية أعمال الجرافيتي. وبصفته رسام إعلانات تجارية ويملك خبرة أكثر من 25 عاماً، يضم معرض أعمال Sya أيضاً مجموعة مثيرة للإعجاب من الرسوم المتحركة والأعمال التجارية الخاصة.

وقال Sya: «أرسم من أجل المتعة وعندما يتسبب ذلك في إسعاد الآخرين، أشعر كأنني أرد الدين للمجتمع. الجرافيتي شغف وليس موضة».

يقدم محمد أبو حكمة نفسه بصورتين مختلفتين؛ فهو «مو» مصمم الجرافيك في النهار و«مونستاريم» فنان الشوارع في الليل.

يملك محمد كل مواصفات فنان الشوارع المبتكر، ولم تكن رحلته من ولاية فيلادلفيا الأميركية إلى الكويت مختلفة كثيراً عن ذلك.

وقال محمد ضاحكاً: بدأت الرسم على الجدران لأول مرة عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري. كنت أخرج إلى شوارع فيلادلفيا. كان أول توقيع لي هو «يلا فيش»، ورسمت قنديل البحر الصغير ذلك والذي بدا في الحقيقة مثل فِطر مع خطوط عليه.

واليوم يُعد محمد واحداً من أشهر فناني الشوارع وأكثرهم تنوعاً في الكويت، ويحقق نجاحات عديدة -إذ يملك علامته التجارية الخاصة في صناعة أزياء مقتبسة من فن الجرافيتي وتُدعى «مونستاريم»، التي بدأت عام 2013، ومطعم يُدعى «سلوبي موز»، بالإضافة إلى تنظيمه فعاليات فردية برعاية شركات كبيرة مثل ريد بول وفيليب موريس، ويُعد أيضاً «شقيقاً أكبر للعصابة».

وقال محمد: «أبلغ من العمر 37 عاماً، وأنا أقدم فنان شوارع في الكويت على الأرجح. عندما انتقلت إلى الكويت، بدأت كمصمم جرافيك في صحيفة مطبوعة ولكنني أدركت شيئاً فشيء أنني يجب أن أعمل بمفردي؛ وهكذا وُلدت العلامة التجارية مونستاريم».

كان حب المساحات الواسعة والأماكن المفتوحة هو الذي شجع محمد على البحث عن الجدران في الكويت. كانت أعمال محمد الفنية على الجدران مجهولةً في بادئ الأمر وتحمل فقط شعار «مونستاريم». وبعد وقتٍ قصيرٍ، أصبح الشعار مألوفاً بين الفنانين وعشاق الفن الذين أبدوا إعجابهم بأعمال محمد.

وقال محمد: «يُعد كل جدار تقابله بمثابة تحدٍ جديدٍ، ويمنحك بُعداً جديداً تماماً للعمل في كل مرة، مع النتوءات والشقوق الجديدة. ولهذا السبب لا يمكنك أبداً أن تعتبر نفسك محترفاً في فن الشوارع. أنت جيد فقط بقدر جودة آخر جدار رسمت عليه، هذا هو شعاري».

تتولى فاي الحمود مهمةً فريدةً من نوعها؛ وهي توثيق ونشر فن الشوارع في الكويت. وقالت فاي: «في البداية كنت مهتمة كثيراً بالتصوير الفوتوغرافي، وخاصةً التصوير في الشارع. أميل للسفر كثيراً؛ وبالتالي يمكن أن ألتقط صوراً عشوائية للناس في الشارع وهو ما لفت انتباهي إلى فن الشوارع والجرافيتي، ووقعت في غرامه فوراً. شعرت بالفضول لمعرفة المزيد عن هذا الفن وسافرت إلى أماكن مثل لندن وأمستردام وماليزيا وبلجيكا، ولاحظت أنماطاً وأشكالاً وأساليب مختلفة».

وعندما عادت، شعرت فاي أن هناك شيئاً ما كان ناقصاً في المشهد الفني بالكويت؛ وهو أنه لا يوجد أحد يوثقه.

وقالت فاي: «شعرت بالحاجة إلى أن نُظهر للعالم أن الكويت ليست فقط الحروب والسياسة؛ فهناك أشياء أخرى تحدث هنا أيضاً».

وأضافت قائلةً: «بعد الحرب، بدأت الأشياء تموت ببطء. آمل أن نتمكن من إحياء المشهد الثقافي من جديد وأنا سعيدة بتأدية دوري تجاه ذلك».

فريق المحتوى لحوار الشرق الأوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon