«الأم تريزا المصرية» أو أم أطفال العشوائيات

صورة

«أم القاهرة»، «القديسة ماجي»، «الأم تريزا المصرية»، «ماما ماجي»، كثيرة هي الألقاب التي أطلقت على ماجدة جبران التي كانت تملك كل ما يضمن لها السعادة، والتي قررت أن تترك كل شيء وتهَب حياتها للأطفال في الأحياء الفقيرة المصرية.

قد تكون الألقاب كثيرة إلا أنا «ماما ماجي» كما يحب أن يسمّيها الأطفال تفضّل لقب «الأم تريزا المصرية»، قائلة: «لأنني في كل مرة أسمع فيها هذا الاسم أشعر ببركة من الأم تريزا، وكأنها تنظر إليّ من السماء وتبتسم (..) هي رسمت أيقونة حب وهذا هو ملخص الحياة وهدفها. أعمل أموراً صغيرة يستطيع أي أحد أن يعملها ولكن بحب كبير. كل أحد فينا يستطيع أن يعمل عملاً بسيطاً ولكن بحب كبير وعميق وحقيقي، فيكون له وزن وقيمة كبيرة».

لم تكن جبران تعيش دائماً في أفقر أحياء القاهرة. فتخبرنا أنها درّست في الجامعة الأميركية لمدة 12 سنة، وأحبّت عملها وطلابها الذين اعتبرتهم بمثابة أولادها، كما أنها تضيف: «أحببت جداً الذوق الرفيع وكنت أسافر كل عام لأبحث عن أحدث موضة للأزياء وأحب شراء أجمل الأشياء. وكنت سعيدة بما أفعله وأستمتع أيضاً بالسفر إلى فرنسا وإيطاليا لمشاهدة الأعمال الفنية الجميلة للفنانين العظماء مثل مايكل أنجلو الذي كان يمسك الحجر ويرى الجمال الذي بداخله، كل حجر جماله مخفيّ بداخله وليس فقط ما نراه بأعيننا».

إلا أن حياتها انقلبت رأساً على عقب سنة 1985 عندما زارت العائلات في المناطق الفقيرة. وهنا تقول: «لم أصدق ما رأيت من فقر وبؤس وشعرت بألم عميق في داخلي. في هذه الفترة أيضاً، فقدت عمتي التي كانت بمثابة أمي الروحية وكانت تساعد الفقراء. وتساءلت: "من سيرعى هؤلاء بعد انتقال عمتي من هذا العالم؟ بدأت أنشغل أكثر بالفقراء وأزورهم بصفة دورية. وشعرت بأنني قضيت عمري أستقبل الحب والاهتمام والتعليم والرعاية ممن حولي، وجاء الآن دَوري لكي أعطي".

وتتابع: "طلابي الذين كنت أدرسهم كانوا من نخبة المجتمع ومن السهل أن يجدوا بديلاً عني. أما الفقراء، فهم في حاجة ماسة لمن يهتم بهم. كان من الممكن أن أكون أنا وأولادي في نفس مكانهم، لأنّه لا أحد فينا يختار عائلته أو مجتمعه، وأنا ليس لي أي فضل في حياتي السابقة. كيف يمكن أن يعيش إنسان متمتعاً بكل شيء ويترك إنساناً آخر محتاجاً لكل شيء حتى أساسيات الحياة من مياه نظيفة ولقمة عيش؟".

وهكذا تبلورت فكرة العمل الإنساني مع ماجدة جبران بين 1985 و1989 حيث بدأت زيارات دورية منتظمة للعائلات الفقيرة. وتخبرنا: "كنا نذهب إليهم ونمضي وقتاً معهم ونشعر بهم لنتمكن من مساعدتِهم. لم يكن هدفنا توفير المساعدة المادية حفاظاً على كرامتهم واحترامهم لأنفسهم. اعتمدنا أسلوباً نوفّر من خلاله فرص عمل ملائمة، أي فضّلنا أن نعلمهم الصيد عوضاً عن أن نعطيهم سمكة".

أرادت جبران مواصلة العمل مع الفقراء، فأسست جمعية "ستيفن تشيلدرن" الخيرية من أجل تغذية القلوب وتدريب العقول و"تجهيز الحياة". وتقول لنا: "الإنسان عبارة عن جسد ونفس وروح ولكن في كثير من الأوقات يركّز الإنسان على الجسد، وينسى أن يطوّر نفسه في باقي الجوانب". وتؤمن بمقولة "اعرف نفسك" لأفلاطون، وترى أن الكنز الحقيقي يكمن داخل الشخص وليس خارجه، متابعة: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه"؛ مبادئ وقيم حياتية تسعى ماما ماجي وفريق عملها إلى نقلها لكل أولاد الأحياء الفقيرة والمناطق المهمشة في مصر.

قيمة الإنسان هي أكثر ما تشدّد عليه مؤسسة "ستيفن تشيلدرن" التي تضم فريق عمل من نحو 2000 شخص ما بين متطوعين وموظفين. وحتى اليوم، خدمت المؤسسة نحو 37 ألف أسرة، وافتتحت نحو 92 مركزاً ومدرسة للتنمية والتأهيل والتعليم. فتبقى برامج الجمعية كثيرة وتشمل نشاطات متنوعة مثل برامج التأهيل الاجتماعي للأسر الفقيرة لمعرفة احتياجاتهم ومتابعتهم، ومراكز تعليم وتنمية ومدارس للأطفال، والتدريب والتأهيل المهني للمتسربين من التعليم، وعيادات لعلاج الأمراض الجسدية والنفسية، وحملات توعية للأمهات ودروس محو الأمية لتثقيفهنّ ومساعدتهن لإعداد أجيال أفضل، ورحلات ترفيهية للأطفال والشباب، وبرامج تقييم ومراجعة لقياس نجاح العمل وتطويره.

ويبقى الطفل في صلب مهمّة مؤسسة "ستيفن تشيلدرن". وهنا تشرح لنا جبران: "هم المستقبل وأكثر فئة محتاجة للمساعدة لأن الطفل بطبيعته يحتاج لمعونة". لكنها تضيف: "في النهاية، كل الإنسانية بحاجة لمعونة وكلنا نحتاج مساعدة بعضنا البعض. فمثلاً، مخترع البنسلين أو الطيران نفع كل البشرية. فقوة الإنسان تقاس بعدد الذين ساعدهم وبعمق المساعدة التي قدمها. وبالتالي، نحن نخدم الأطفال، والشباب، والشيوخ والمرضى بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العقيدة".

أكثر من مليون شخص استفاد من عمل المؤسسة على مدى أكثر من ثلاثين سنة، إلا أن بعض اللقاءات سترافق ماما ماجي لمدى الحياة، على حد قولها.

وتستعيد ذكرياتها قائلة: "في أوائل الزيارات، في يوم ممطر رأيت أرملة فقيرة تبيع الذرة. ثم حضرت ابنتها الصغيرة لتحل مكانها حتى ترجع هي لأطفالها الصغار. لقد كان حذاء الطفلة مهترئاً، فطلبت منها أن ترافقني لنشتري لها حذاءً جديداً. فوجئت بها تطلب حذاءً كبيراً لتعطيه لأمها. لقد فضّلت أمها على نفسها واحتياجها. فبسبب هذه الطفلة وبسبب قلبها الكبير وموقفها المؤثر، ساعدنا عدداً كبيراً من الناس لنقدم أحذية للكثير من الفقراء".

وتواصل حديثها عن اللقاءات وتخبرنا: "قابلت في إحدى الرحلات ولداً صغيراً مغرماً بلعب الكرة ولكنني فوجئت أنه لا يمارسها. وعندما سألته عن السبب، أجابني أن قدمه تؤلمه. وعندما قدمت له الكرة أرجعها لي وقال: «أرجعي لي قدمي وخذي الكرة». فتوجهنا به حالاً إلى المستشفى واكتشفنا أنه يعاني من صديد كاد يصل إلى عظامه وأخبرنا الطبيب أنه كان من الممكن أن يفقد قدمه تماماً لو تأخرنا ساعة واحدة.

تبقى هذه الحكايات بالنسبة لماما ماجي: "حكايات لا تنسى مدى الحياة. فمع أنها لحظات، ولكنها تحدث فرقاً كبيراً في حياة إنسان". وتقول: "أشعر بالفرح والأمل لأن الكثيرين من الذين استفادوا من عملنا التطوعي ينضمّون للمؤسسة للمشاركة في العمل؛ هذا العمل سيمتد من جيل إلى جيل، فالجميع مكملين نحو نفس الهدف بنفس الحماس والفرح".

رُشّحت ماجي جبران للحصول على جائزة نوبل للسلام، كما أنها فازت بالعديد من الجوائز، آخرها في دبي جائزة "صناع الأمل". وتعتبر جبران أن هذه الجوائز "إعلان كبير للعالم كي يتنبه كل إنسان لأن يكون شخصاً مؤثراً ويعمل أعمالاً خيّرة في حياته (..) هي عدوى جميلة وتعكس الأمور الجميلة التي تضيف مذاقاً حلواً للحياة وترقى بالعالم نحو عمل الخير بدلاً من الحروب والإبادة وتعطي فرصة للبشرية أن تعود لإنسانيتها".

وترى ماجدة جبران أن المعنى الوحيد لحياتها ولغدِها يبقى المزيد من الحب والعطاء والإنسانية؛ حب التعليم والعلاج وإعطاء الأمل والفرح للمكسورين. وتضيف: "كما أن حبة السكر الصغيرة بإمكانها أن تحلّي كوباً من الماء، كذلك أعمال المحبة الصغيرة بإمكانها أن تحلّي العالم كله وهذا هو المعنى الحقيقي للحياة". ولعل "الأم تريزا المصرية" تختصر مسار حياتها بالقول: "أحيا لأقدّم للبشرية أجيالاً جديدة تربّت على حب واحترام النفس والآخر وتعرف معنى الحب والعطاء والأمل وأن أجمل ما يمكن أن يرتديه الإنسان هو البسمة".

* متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon