حكاية سيدة من الصومال

«أنا جزء من جيل الصوماليين القديم، وأنا قلقة إزاء تدهور البيئة، وأعمل جاهدة من أجل إصلاح الوضع»، بهذه العبارة عرّفت فاطمة جبريل عن نفسها؛ وهي الناشطة التي جعلت من مهمة الحفاظ على البيئة في وطنها الأم، الصومال، والعالم، هدفاً يعيش معها طوال حياتها.

ولِدت فاطمة جبريل في أسرة رعوية بدوية بالصومال، وكبُرت في الولايات المتحدة، وتنقّلت بين مختلف دول العالم قبل أن تعود إلى وطنها لتكتشف هول الكارثة. وهنا تخبرنا: «بعد أن كنت بعيدة عن وطني لأكثر من 40 عاماً، أُصبت بالصدمة عند اكتشافي تغيير الأوضاع الجذري. هذه ليست الأرض التي ترعرعت فيها عندما كنت فتاة صغيرة.

اختفت الأشجار وجفّت المستنقعات مُخلّفة صحاري شاسعة. وحتى مع هذا الوضع، تُقطع المزيد من الأشجار والغابات من أجل إنتاج الفحم للاستخدام المحلي ولكن في الأغلب للتصدير إلى الشرق الأوسط. كان المشهد يائساً».

وتتابع تحسّرها قائلة: «يعتمد المجتمع الرعوي التقليدي على الثروة الحيوانية والموارد الطبيعية مثل المراعي والمياه من أجل البقاء. ومع تدهور البيئة، تعجز الموارد الطبيعية عن تلبية حاجات الجميع من دون أن ننسى النزاعات هنا وهناك لأن الرعاة كانوا يتنافسون للحصول على القليل مما تبقى».

وحينها، تكشف لنا جبريل: «قررت أنه يجدر بي أن أقوم بشيء حيال هذا الوضع وبدأت عملي ودفاعي عن القضايا البيئية والسلام؛ مسألتان متصلتان بشكل وطيد في الصومال».

وقد انعكس الوضع السياسي المتأرجح في الصومال سلباً على البيئة التي عانت من تدهور مضنٍ، بدءاً من قطع الأشجار غير القانوني وصيد الأسماك قبالة السواحل الصومالية والتصحر.

ولذلك كان منطقياً أن يتكلل نشاط جبريل في حماية البيئة بتأسيس منظمة «أديسو» التي عُرفت سابقاً بـ«منظمة القرن الأفريقي للإغاثة والتنمية» عام 1991؛ بالتزامن مع انطلاق الحرب الأهلية في الصومال إلا أن الصعوبات التي واجهتها كانت من نوعٍ آخر.

تقول جبريل: «في الواقع، لم يكن الأمر سهلاً لأسباب عدة. بدأت العمل في قريتي إلا أن الناس لم يرحبّوا بي كثيراً لأنني ابتعدت عنهم طويلاً واحتاجوا إلى الوقت لتقبّلي مجدداً».

مع مرور السنوات، تلقت جبريل دعم الكثيرين من مجتمعها، ما دفعها إلى مواصلة نشاطاتها ودفع منظمتها ومشاريعها المختلفة إلى الأمام.

وتعود بنا إلى أول مشروع أطلقته قائلة: «في نهاية التسعينات من القرن الماضي، أطلقنا مشروع «القيادة الرعوية الشابة» في بلد لا يملك نظاماً تربوياً محدداً وحيث معدلات الإلمام بالكتابة والقراءة محبطة. علّمنا الشباب تحت الأشجار وتحولوا إلى سفراء لنا في المجتمع».

وتتابع جبريل: «أحد أهم إنجازات البرنامج هو قدرته على تمكين الفتيات. منذ تطبيقه، درّبت «أديسو» آلاف الطلاب، 80% منهم من الإناث. ومع ذلك، أنا لست في عجلة للحصول على النتائج. كل ما أسعى جاهدةً إليه هو أن أتقدّم خطوات إلى الأمام لتحقيق رؤيتي. هذه رحلة لأكثر من ثلاثة عقود في العمل على الحد من التدهور البيئي بالصومال وما زالت مستمرة».

وتواصل جبريل الحديث عن مشاريعها وتحديداً عن «قافلة الجمال» عام 2001 حيث كان الطلاب يتنقلون بين القرى على الجمال من أجل اكتشاف حاجات السكان وأفضل الطرق لمساعدتهم.

وتقول: «هذه القوافل شكلت أساس تقييمنا للحاجات وصلة الربط مع السكان الذين تعاملنا معهم. أنا فخورة بهذا المشروع لأن معظم الشباب الذين علمتهم باتوا أعضاء فاعلين في القطاع الإنساني والتنموي بالصومال».

وامتدت الرحلة مع مشروع آخر عزيز على قلب جبريل ألا وهو التحويلات المالية الذي انطلق عام 2004. وتطلعنا على تفاصيله قائلة: «فيما كان الصوماليون يعانون من تداعيات الجفاف، كانت استجابة الجهات الفاعلة الإنسانية بطيئة.

وبفضل التمويل الذي حصلنا عليه، قمنا بأكثر من 500 عملية تحويل مالي إلى العائلات في القرى وكنت مندهشة بكيفية تغيير الأمور خلال فترة قصيرة جداً». هذا التغيير يرجع إلى أن المجتمعات الرعوية في الصومال كانت تملك وما زالت نظامها الائتماني الخاص.

وبسبب الجفاف، عجزوا عن الحصول على الكثير من مواشيهم لأن الحيوانات كانت ضعيفة، كما أنهم كانوا قد اقترضوا مرات عدة من المحلات التجارية حتى عجزوا عن الاقتراض أكثر وأغلقت المحلات أبوابها والآبار توقفت عن العمل أيضاً بسبب غياب الوقود.

ولكن مع التحويلات المالية، بدأ التغيير بالظهور، حيث تقول جبريل: «بدأ الناس يحددون أولويات حاجاتهم ويدفعون بعضاً من ديونهم ما سمح لأصحاب المحلات بتخزين المنتجات وتم توفير الوقود لتشغيل الآبار وإعادة العجلة الاقتصادية إلى العمل في وقت قصير».

وقدّم نجاح هذه الحملة مثالاً عن أهمية التحويلات المالية كوسيلة فعالة وموثوقة في أوقات الجفاف في الصومال، كما أطلقت «أديسو» مؤخراً حملة جديدة لمساعدة العائلات التي تعاني من الجفاف اليوم.

ومن بين المشاريع الأخرى العزيزة على قلب جبريل، مشروع «بيئتك هي حياتك»، الذي انطلق بعد أن تقاعدت جبريل من «أديسو» عام 2006، إلا أنها تعترف لنا قائلة: «هذا المشروع علامة مشجعة أن عملي ما زال مستمراً حتى بعد أن تركت المكتب، وقد أثمرت سنوات العمل وانتقلت الشعلة إلى الجيل الشاب». ويهدف هذا المشروع إلى تحسين وضع الموارد الطبيعية بفضل الحد من التدهور البيئي وحملات التوعية البيئية وغيرها.

هذه ليست إلا بعضاً من المشاريع الكثيرة يُضاف إليها مشروع «سان فاير كوكينغ بروجكت» الذي يقدم حلولاً للصوماليين بديلة للطهي مثل المواقد الشمسية أو مواقد تعمل على الديزل الهندي عوضاً عن الفحم ومشروع إعادة تشجير الساحل الصومالي بشجر المانغروف.

كل هذا النشاط البيئي توّج بعدد من الجوائز. وتحكي لنا جبريل: «شكلّـت الجائزة الأولى التي فزت بها، جائزة «غولدمين» البيئية عام 2002، مفاجأة كبيرة لأنني لم أكن أعلم بوجودها حتى أنني ظننت أنها خدعة.

شعرت بالدهشة أن الناس حول العالم مهتمون بما يحدث في الصومال، ويعترفون بأن حالة البيئة يُرثى لها، وأنني كنت أبذل ما بوسعي بطريقتي الخاصة للتغيير. شعرت أن المجتمعات المحلية والدولية تتّحد من أجل قضية جيدة. ومنحني ذلك الكثير من الأمل من أجل مواصلة عملي كناشطة بيئية».

ومن بين الجوائز الأخرى، حصلت جبريل عام 2014 على جائزة «أبطال الأرض» من الأمم المتحدة وجائزة تكريم للتنمية البيئية المستدامة عام 2016. وهنا تخبرنا: «هذه الجائزة كانت مفاجأة لي أيضاً لأنها تمنحني ومؤسسة «أديسو» الأمل بإمكانية النفاذ إلى العالم العربي والعمل معاً من أجل حل المشكلات عبر أفريقيا والشرق الأوسط».

ترى جبريل أن كل ما يبذل اليوم في أفريقيا والشرق الأوسط ما زال غير كافٍ وتعتذر عن تشاؤمها، داعية الجميع إلى مضافرة الجهود من أجل حماية البيئة. وتخص الشباب بنصيحة قائلة: «بات العالم مجتمعاً دولياً واحداً بفضل التكنولوجيا والإعلام.

يجدر بالشباب استغلال شبكات التواصل الاجتماعي للتواصل في ما بينهم على الصعيد العالمي ومشاركة تجاربهم والدروس والأفكار حول كيفية معالجة المشكلات التي تواجهها مجتمعاتهم».

وتضيف: «أحثّ الشباب أن ينظروا إلى الأسفل لا البعيد، ويكتشفوا ما يحيط بهم ويستغلونه لتطوير مهاراتهم، وأن يكونوا رياديين من أجل البقاء. من المحزن أن نرى شبابنا يغرق في البحار نتيجة الهجرة وأملاً بحياة أفضل في الغرب. يوجد الكثير من الفرص في أوطاننا يستطيعون الاستفادة منها لكسب لقمة العيش وتطوير بلداننا».

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon