الذهب السائل الجديد

صورة

تشغيل السيارات والمولدات من زيت أواني قلي شرائح البطاطس لا يعود بفائدة بيئية وحسب، بل يجني المال أيضاً.

يوجد مكون واحد من مكونات الطعام يُستخدم في جميع المطابخ المصرية؛ إنه سر إعداد الفلافل المقرمشة، وحلقات البصل اللذيذة التي تزيّن طبق الكشري، وشرائح بطاطس الشيبسي التي يستمتع بها الجميع؛ إنه بالطبع الزيت النباتي، فهو أكثر الدهون انتشاراً لطهي الطعام.

وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، يستهلك المصريون أكثر من 22 كيلوغراماً من الزيت النباتي للفرد الواحد، وهذا أعلى من المتوسط العالمي البالغ 19 كيلوغراماً.

رغم أن هذه المستويات المرتفعة من استهلاك الزيوت تشكل مخاطر صحية محتملة فهي تؤدي أيضاً إلى ارتفاع معدلات التلوث، حيث يتم التخلص من معظم هذا الزيت وينتهي به المطاف في نهر النيل، وكل لتر من الزيت المستهلك يلوث 10.000 لتر من المياه، ولا تتم معالجة سوى 35 في المئة من مياه الصرف الصحي في البلد، ومع ذلك فإن النهر هو مصدر 97 في المئة من إمدادات المياه العذبة في مصر.

لا تؤدي الزيوت المستهلكة إلى تلوث المياه على نطاق واسع فحسب، بل تسبب أيضاً انسدادات في توصيلات الأنابيب المنزلية وكذا قنوات الصرف الرئيسية العامة، مما يخلِّف «كرات دهنية» ضخمة يمكن أن تسد شبكة الصرف الصحي العامة.

واليوم اضطلعت إحدى الشركات الناشئة بمهمة تغيير هذا الوضع القائم وتحويل هذه النفايات إلى وقود. بدأت شركة «تجدُّد» كمشروع جامعي لتحويل زيت الطهي إلى وقود الديزل الحيوي لمعالجة مشكلة التلوث ونقص الوقود في البلد.

وتقول مريم عفيفي، مديرة تطوير الأعمال والمرأة الوحيدة في الفريق المؤسس للشركة: «كان من الصعب إقناع الناس بنجاح هذه الفكرة، فكنا نعقد ورشة العمل كل يوم ولكن دون أن تسفر عن أي شيء. كنا نحاول فقط بلوغ مستوى الجودة المطلوب».

ولكن عقب النجاح في جمع الأموال من برنامج مسرِّعات الأعمال «فلات 6 لابز» في القاهرة والحصول على استثمار بقيمة مليون جنيه مصري من مستثمري كايرو إينجلز، تمكنت «تجدُّد» من تسخير معارفها التكنولوجية والبدء في إنتاج وقود الديزل الحيوي للاستخدام التجاري.

وتقول مريم عفيفي: «واجهنا صعوبات في الحصول على الزيت، لكننا تمكنا من دخول السوق من خلال التعامل مع المطاعم مباشرة». والآن تقوم الشركة بشراء الزيوت من المطاعم بشاحنتين تجمعان النفايات مباشرة من منافذها. وفي مقابل كل لتر من الزيت المستعمل، تُنتج تكنولوجيا «تجدُّد» 0.9 لتر من الديزل الحيوي. وتبلغ تكلفة الكيلو الواحد 7 جنيهات، ولكن بمجرد تحويله إلى وقود الديزل الحيوي، تبيع الشركة الطن الواحد مقابل 7000 جنيه أو 900 دولار.

وفي حين أن الزيوت المستهلكة من المطاعم والفنادق تشكل الجزء الأكبر من إمدادات «تجدُّد»، تأمل الشركة في إشراك المزيد من المنازل في سلسلة التوريد التي تعتمد عليها بحملتها الجديدة «جرين بان».

حتى الآن، سجلت 3000 أسرة اشتراكها في حملة «جرين بان»، ليزيد عدد الأسر المشتركة على عام 2014 بأكثر من 1000 أسرة، وتتلقى شركة «تجدُّد» حالياً 3 أطنان من الزيوت المستهلكة شهرياً من خلال حملة «جرين بان»، وهي نسبة تبلغ 2 في المئة فقط من إجمالي كمية الزيوت التي تحصل عليها، رغم أن المنازل تستهلك 75 في المئة من الزيوت النباتية على مستوى البلد، في حين تستهلك الفنادق والمطاعم النسبة المتفضلة. فيمكن القول إنه توجد إمكانات جلية وواضحة للنمو.

وفي معرض حديثها، صرحت مريم عفيفي قائلة: «بحلول نهاية هذا العام، نأمل أن نحصل على 20 في المئة من إنتاجنا من المنازل».

سيتطلب الأمر الكثير من الحملات والتوعية والتثقيف لتغيير مواقف الناس إزاء إعادة التدوير. ووفقاً لمؤشر معايير التلوث، تعتبر القاهرة خامس أكثر المدن تلوثاً في العالم، ومصر عموماً خامس أكثر البلدان تلوثاً في العالم وذلك نظراً لقلة التشريعات واهتمام المجتمع بالبيئة.

تقول مريم عفيفي: «يقوم الناس في مصر باستعمال الزيت للقلي مرات عدة، لدرجة أننا نجد في الزيوت قطع دجاج وفلافل وشوك وملاعق! أما في أوروبا، فهناك مواصفات واشتراطات على المطاعم والفنادق لاستخدام الزيت مرة أو مرتين، ولذلك يحصلون على زيوت أفضل جودة وأكثر نظافة وأقل احتراقاً». لقد قام الفريق بتطوير التكنولوجيا المستخدمة على أكمل وجه من أجل إنتاج وقود الديزل الحيوي عالي الجودة المناسب للاستهلاك في الاتحاد الأوروبي.

تضيف مريم عفيفي: «إن تكنولوجيا الحصول على وقود الديزل الحيوي موجودة في جميع أنحاء العالم، ولكن الأمر يعتمد على كيفية استخدامها. فهي وصفة موجودة ونحن عدلنا منها حتى تمكنا من الحصول على الجودة المثالية لوقود الديزل الحيوي». لكن شركة «تجدُّد» تواجه صعوبات في إيجاد زبائن لها في مصر حيث إن الدعم الحكومي لديزل البترول يجعله أرخص سعراً، إذ يبلغ سعر اللتر الواحد من ديزل البترول المدعوم 4-5 جنيهات مصرية، في حين أن سعر لتر الديزل الحيوي يبلغ حوالي 17.5 جنيهاً، مع هامش ربح قدره 9 جنيهات للتر الواحد. ولذلك تقوم الشركة بتصدير كل إنتاجها إلى أوروبا.

وتتابع مريم عفيفي بقولها: «إنَّ معظم ديزل البترول المستورد مدعوم حكومياً، ولكن الحكومة ليست مستعدة بعد لمزج وقود الديزل الحيوي مع ديزل البترول. ومن الصعب تمرير تشريع بذلك الآن ولا أعتقد أن ذلك سيحدث قريباً».

ونظراً لانخفاض تكاليف الإنتاج في مصر، تتمتع «تجدُّد» بميزة تنافسية على منافسيها الأوروبيين.

تنتج «تجدُّد» حالياً 200 طن من وقود الديزل الحيوي شهرياً وتهدف لزيادة الإنتاج إلى 500 طن شهرياً هذا العام و1000 طن بحلول عام 2018. والشركة الآن بصدد الانتقال إلى منشأة أكبر لاستيعاب النمو المخطط له.

أحد التحديات الرئيسية الآن هو ضمان حصول الشركة على إمداداتها من زيت الطهي المستعمل. ففي مصر، تستخدم الزيوت المستعملة عادة في صناعة الصابون، كما إن الشركة تواجه منافسة الآن مع شركة «بيوديزل مصر» التي تعمل بطريقة مماثلة باستخدام تكنولوجيا مستوردة من المملكة المتحدة.

تعقد «تجدُّد» شراكات مع مختلف الشركات، بما في ذلك شركة «بريتيش بتروليوم» لطرح «جرين بان» كمبادرة للمسؤولية الاجتماعية للشركات وتوسيع نطاقها لضمان توفير إمدادات ثابتة من المنازل. يعتبر الديزل الحيوي أنظف بنسبة 85 في المئة من ديزل البترول لأنه لا يحتوي على الكبريت، لكنه مع ذلك ليس طاقة نظيفة تماماً مثل الطاقة الشمسية.

وهنا تعلق مريم عفيفي: «نقوم بإنتاج وقود الديزل الحيوي من النفايات، وقد لا يكون بنظافة الطاقة الشمسية لكننا نحوِّل شيئاً ضاراً إلى شيء نافع».

* متخصصة في قضايا الطاقة

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon