المعضلة الأخلاقية لمزارع المواشي والدواجن

لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

عندما نسمع بأهوال تربية المواشي والدواجن في المصانع والتلوث والهدر والحياة البائسة لمليارات الحيوانات في الأقفاص، من الصعب عدم الشعور بوخز الضمير، وبأنه ربما يتعين علينا تناول كمية أقل من اللحوم، أو على الأقل وقف هدر أطنان من لحوم تلك الحيوانات على موائدنا.

وتحت ضغوط المستهلكين والناشطين، كانت قد طرأت تحسينات محدودة على ظروف الحيوانات في المزارع، لكن حلولاً جدية شاملة لتلك المعضلة الأخلاقية، كما لأضرارها على الصحة والبيئة والموارد الطبيعية، أو لنمط وطرق إنتاجها القاسية والفوضوية لم تتبلور بعد.

بعض المقترحات، كتلك التي تدعو إلى إطلاق الماشية في الهواء الطلق، يلقى معارضة شديدة، إذ يرى بعضهم في المقترح وصفة لتدمير شامل للبيئة. يقول جورج مونبيوت في صحيفة «غارديان» إن رعي الماشية ليس فقط غير كفء، بل يشكل تبذيراً هائلاً، فالحيوانات التي تتغذى على المراعي بالكامل تنتج فقط غراماً واحداً من أصل 81 غراماً من البروتين الذي يستهلكه الشخص في اليوم.

وفي بريطانيا وحدها، تشير الدراسات إلى أن الأغنام تشكل حوالي 1% من الحمية الغذائية من حيث السعرات الحرارية، لكنها تحتل 4 ملايين هكتار من المرتفعات، ما يعادل إجمالي الأراضي المزروعة في البلاد. وكان مدافعون عن حقوق الحيوانات قد قدروا كلفة إطعام الحبوب وفول الصويا إلى حيوانات المزارع، بـ 1.32 تريليون دولار في العام.

وتشير مجلة «علم البيئة الإجمالية» بأن «الإنتاج الحيواني هو أهم أسباب فقدان موائل الحيوانات»، وأن رعي الماشية هو نظام للتدمير الإيكولوجي، وأن ما يفاقم من التدمير هو ذبح الحيوانات المفترسة الكبيرة التي تعتاش عليها، وأن التخلص من رعي الماشية يشكل خلاصاً للحياة البرية في العالم وعجائبه الطبيعية وموائله الرائعة، وتقليصاً لنسبه العالية من انبعاثات غازات الدفيئة.

تأكيد جديد

لكن في كل يوم هناك تأكيد جديد إلى أي حد أن آلة الزراعة الصناعية مدمرة وغير كفؤة ومبذرة وقاسية القلب وغير صحية، مما يتطلب إعادة التفكير في طعامنا والأنظمة الزراعية قبل فوات الأوان، يقول رئيس منظمة الرحمة في الزراعة العالمية فيليب ليمبري، الذي يدعو إلى خفض تناول اللحوم.

ومن الأشياء التي يجري التغاضي عنها في كل تلك المعادلة، حسب قوله، هو ضرورة تكريس مساحات شاسعة من الأراضي النادرة القابلة للزراعة لزراعة العلف الحيواني، هذا في الوقت الذي يمكن لتلك المحاصيل التي تعطى للحيوانات التي تربى صناعياً فإطعام أربعة مليارات شخص إضافي على كوكب الأرض، ويتوقع ليمبري أنه مع ازدياد الطلب العالمي على اللحوم الرخيصة، أن تشهد الغابات والأنهار والمحيطات مزيداً من الضغوط، وأن تخلق أزمة عالمية في التنوع البيولوجي.

ويقول إنه مع جرف موائل الغابات المطرية للفهود والفيلة المهددة بالانقراض في أجل إنتاج المحاصيل والمزارع التي تغذي حيوانات المزارع الصناعية، تختفي موائل طيور المزارع مثل البومة واليمامة والطيور، فيما كميات هائلة من الأسماك البرية يجري جرفها لإطعام سمك المزارع الصناعية ومزارع الدجاج، مما يترك البطاريق وغيرها من الأنواع في أوضاع من المجاعة.

في أغسطس الماضي حدد ناشطون أكبر منطقة خالية من الحياة في العالم في البحر في الولايات المتحدة، وكانت مزارع الحيوانات الصناعية المسبب الرئيسي لها. وحذرت الأمم المتحدة بدورها من انهيار التربة في العالم في غضون 60 عاماً، إذا استمر العالم في إطعام المزارع هذا القدر من المحاصيل، وأن تزول مصائد الأسماك التجارية بحلول 2048.

 

 

انفصال مثير للقلق

ويشير بيتر ستفنسون في منظمة الرحمة في الزراعة العالمية إلى الانفصال المثير للقلق بين سعر التجزئة للغذاء والكلفة الفعلية للإنتاج. ونتيجة لذلك، فإن الطعام الذي يجري إنتاجه بكلفة بيئية هائلة، يمكنه أن يبدو أرخص من معظم البدائل المنتجة الأكثر استدامة. ويقول إن العالم يدفع ثمن تآكل التربة، وتلوث المياه، وخسارة التنوع البيولوجي والتغيير المناخي والعديد من الآثار الأخرى التي ينقلها هذا القطاع إلى عامة الناس.

وعن ظروف تربية الحيوانات التي أصبحت منفصلة عن وجودها الطبيعي يقول فرانسيس فيرغنست وجوليان سافوليتشو في «ذا كونفرزيشون» إن الجميع متفق على أن الحيوانات لا ينبغي أن تعاني دون الحاجة إلى ذلك، وقد طورت منظمات عدة معايير لضمان معاملة إنسانية للحيوانات، لكن الواقع هو أن البنية الأساسية للمزارع الصناعية على نقيض رفاهية الحيوانات التي تنمو فيها، إذ يجري احتجازها في ظروف رهيبة أشبه بمصانع منها بمزارع، تعود ملكيتها لشركات كبرى دافعها الربح.

ويرى الكاتبان المخاطر الصحية الكامنة في تلك الأنظمة الصناعية، فاحتجاز عدد كبير من الحيوانات قد يضاعف الكفاءة والأرباح، إلا أنه يعرّض الحيوانات إلى مستويات مرتفعة من السموم بسبب السماد المتحلل، ويخلق شروطاً غير صحية، مما يستوجب إعطاء جرعات متدنية من المضادات الحيوية قد يعتقد أنها وراء تطوير بكتيريا مقاومة لها، عدا عن رش الحيوانات بالمبيدات الحشرية وغيرها من الإضافات غير الصحية بما في ذلك إضافة الهرمونات لمجرد زيادة الإنتاجية.

وفيما يتحدث مقرر الأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، هلال ألفرد، عن الحاجة إلى الابتعاد عن المزارع الصناعية نحو نماذج إيكولوجية زراعية، يشير هانز هيرين من معهد الألفية إلى أننا ننتج أصلاً ما يكفي من الغذاء لإطعام سكان العالم، مؤكداً أن الشركات الزراعية العملاقة وحدها تمضي في إقناع الحكومات والحديث عن الحاجة إلى إطعام العالم.

في هذا، يوافقه الرأي الناشط في مجال الغذاء اريك هولت غيمينز الذي يقول إن هناك ما يكفي من الغذاء لإطعام الجميع على كوكب الأرض مرة ونصف، أي ما يكفي لتغذية 10 مليارات نسمة، مؤكداً أن الطريقة التي ينتج بها العالم المتقدم ويستهلك الطعام هي ما يضر بكوكب الأرض، وفيما يدعو إلى إعادة توظيف وتنمية ممارسة أشكال تعاون اجتماعي في النظام الغذائي يحددها الاقتصاد الأخلاقي بدلاً من السوق، يشير إلى أن السوق يعمل الآن، في جانب كبير منه، بسبب تعاوننا.

 

تأثيرات صحية

أكثر من 70% من المنتجات الحيوانية في العالم تأتي من مزارع صناعية. ووفقاً للاتجاهات السائدة، سيزداد استخدام المضادات الحيوية في مزارع الدواجن في آسيا بأكثر من 120% بحلول 2030، مما سيؤثر على مقاومة المضادات الحيوية، وهذا من شأنه زيادة خطر انتشار إنفلونزا الطيور القاتلة.

ــ تقرير مؤسسة «إف إيه أي إر إر» المالية

 

تأثيرات مناخية

انبعاثات غازات الدفيئة من الميثان الناجمة عن الماشية هي أعلى بكثير مما كان متوقعاً في السابق، ففي عام 2011 كانت أعلى بنسبة 11% من المتوقع، الأمر الذي يشكل تهديداً إضافياً في مكافحة الاحتباس الحراري. وكانت مستويات متزايدة من تركيز الميثان في الغلاف الجوي قد دفعت العلماء لتفحص مصدرها.

ــ اللجنة الدولية للتغيّرات المناخية

 

حكمة

يقول الفيلسوف جوليان سافوليسكو في جامعة أكسفورد والباحث فرانسيس فيرغنست من جامعة مونتريال إن معظم الناس يتفقون أنه كقاعدة أساسية، أي فعل يسبب الأذى أو المعاناة من دون تبرير جيد هو خطأ أخلاقياً.

تناول اللحوم خطأ ليس لأنه يوجد شيء خاص بشأن الحيوانات، بل بسب الضرر الذي يسببه تناولها سواء للحيوانات أو للبشر أو للبيئة الأوسع. إذا كانت احتياجاتنا للتغذية يمكن تلبيتها الآن من خلال استهلاك أطعمة أقل ضرراً، فإن تناول كمية أقل من اللحوم ومنتجات حيوانية هو من أسهل الأشياء للعيش بطريقة أكثر أخلاقية.

 

حشر عدد كبير من الحيوانات في مكان واحد يعني الكثير من السماد، ويمكن أن يكون روث فضلات الحيوانات مفيداً على مستوى صغير الحجم، لكنه قد يصبح كارثياً إن وصل إلى مستويات مرتفعة، حيث يلوث القنوات المائية والمحيطات.

ـــ الرحمة في الزراعة العالمية ... منظمة غير حكومية في بريطانيا

 

صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon