مدارات

الروبوتات تسرق وظائفنا

بصريح العبارة ومباشرها: في مرحلة ما من الأعوام الأربعين المقبلة، الروبوتات ستستولي على وظائفنا، بغض النظر عن نوعها. فإن كنت تحفر الخنادق، فستحفرها أفضل منك، وإن كنت محرراً في مجلة ما ستكتب مقالات أحسن منك. وإن كنت طبيباً، فإن أنظمة حواسيب واتسون لن «تساعدك» في تقديم التشخيص الصحيح بناءً على قواعد بيانات من ملايين حالات الدراسات والمقالات بل ستكون الروبوتات طبيباً أقوى منك.

أما المديرون التنفيذيون فنعتذر منهم لأن الروبوتات ستدير الشركات على نحو أفضل. وبالنسبة للفنانين، فإن الروبوتات سترسم وتكتب وتنحت بشكل أجمل. وإن كنتم تظنون، كما يقول الكاتب كيفن درام، أنكم تملكون مهارات اجتماعية لا تستطيع الروبوتات مضاهاتها، فأنتم مخطئون. وسيكون نصفكم في العشرين سنة المقبلة عاطلين عن العمل، وسيغدو البقية، بعد عدة عقود أخرى عاطلين كذلك.

لقد سمع الجميع بالتوقعات المتعلقة بإسهام السيارات ذاتية القيادة في فقدان حوالي خمسة ملايين وظيفة، لكن قلة فقط يدركون بأنه حين تصبح برمجيات الذكاء الاصطناعي جيدة بما يكفي لقيادة سيارة، فإنها ستكون على قدر من الجودة للقيام بالعديد من الأمور الأخرى، ولن يكون ملايين الناس عندئذ عاطلين عن العمل بل عشرات الملايين.

وهذا ما نقصده عند التحدث عن «الروبوتات»، لأننا نتكلم عن مقدرات عقلية لا تلتصق بواقع أنها مصنوعة من الحديد بدل اللحم والدم، وتتغذى على الكهرباء لا الطعام.

ويعني ذلك أن التطورات التي يجب أن نركز عليها لا تتعلق بتصنيع الروبوتات، بل بالطريقة التي نندفع فيها نحو الذكاء الاصطناعي. ففي حين أننا لم نقترب إلى الآن من المستوى الإنساني، لكن التقدم الذي شهدته العقود القليلة الماضية مذهل. لسوء الحظ، بالنسبة إلى الذين يشعرون بالقلق من أن تستولي الروبوتات على وظائفنا، فإن التطورات تعني أن البطالة الجماعية أقرب مما نخشى، لدرجة أنها قد تكون بدأت بالفعل.

وإذا أردنا رؤية المسألة من منظور طوباوي، نرى أن ثورة الذكاء الاصطناعي تملك قدرة تحرير الإنسانية للأبد من الكدح، ويوفر مزيج الروبوتات الذكية والطاقة الخضراء في أفضل السيناريوهات، كل ما يحتاجه سكان الأرض.

لكن كما تسببت الثورة الصناعية بالكثير من الآلام قصيرة المدى، كذلك ستفعل الروبوتات الذكية. وبينما نسير على درب المستقبل الذكي، وقبل أن نصل لوجهتنا الأخيرة، سيغدو الأثرياء أكثر ثراءً، لأنهم يملكون الروبوتات، والبقية ستصبح أشد فقراً إزاء خسارة الوظيفة. وما لم نضع تصوراً حول ما سنفعل حيال الواقع الجديد، فإن مأساة العاملين على امتداد العقود القليلة المقبلة ستكون أكثر سوءاً بكثير مما أسفرت عنه الثورة الصناعية.

ومن المؤسف أن رؤيا نهاية الوظائف ظلت مجرد تكهن بالنسبة للعديد من المستقبليين والأكاديميين والمسؤولين التقنيين. وقد حذر مارتن فورد، صاحب كتاب «بروز الروبوتات» من أن البطالة الجماعية لن تقتصر على أصحاب المهارات المتدنية، ولا هي شيء يمكن محاربته بتعليم أفضل.

ويقول: «تكمن الحقيقة المخيفة في إمكانية مواجهتنا لمبدأ (العاصفة المثالية) حيث تتفتق مفاعيل عدم المساواة الساحقة، والبطالة التكنولوجية وتغير المناخ بالتوازي، وفي بعض الأحيان يضخّم ويعزز أحدها الآخر».

ولننس مسألة إعادة الجني إلى القمقم، فالذكاء الاصطناعي قادم سواء أعجبنا ذلك أو لا، ويجر معه نتائج وخيمة. وإذا تمكنت أميركا بطريقة ما من إيقاف الأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، فإن الصين أو فرنسا أو البرازيل قد تسبقها.

ويوافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ذلك تماماً، وقد أعلن في سبتمبر الماضي أن «الذكاء الاصطناعي هو المستقبل، ليس بالنسبة لروسيا وحسب بل للبشرية جمعاء. وأن أياً كان القائد في هذا المجال، فإنه سيصبح حاكماً للعالم. وليس هناك من طريقة للالتفاف على هذا الأمر: فبالنسبة للغالبية العظمى من الوظائف، فإن العمل كما نعرفه سينتهي بانتظام بين نهاية 2025 و2060.

 

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon