العود.. الآلة التي لاتزال تحلق بسحرها في أفق سمر الليل البعيد، والأمل بأن للحب صباحات لم تأت بعد، وبين حكايات البقاء للموسيقى وترانيم المعزوفة الأصيلة، وارتجال حوار الآلات الشرقية، التقينا عازف العود الموسيقي اللبناني شربل يوحنا، ليأتينا وفي يديه ريشته يعزف بها على عوده، لنستشف تلك العلاقة الأزلية بين النغم والإنسان، كالروح في اختراقها حركة الجسد تبث فيها عطاء لامتناه، مبينا أن نغمات العود هي فنتازيا صناعة الجمال ، وعداها مدعاة إلى العبثية والسطحية في تفاصيل شخصية صانعها ومروّجها.
يرى شربل يوحنا أن الآلات الشرقية ومنها: العود والقانون والكمان والناي، وما يدعى التخت الشرقي، بالإضافة إلى الرق والإيقاع، يمكن تعزيز استخدامها عبر مختلف الألحان، حيث يستطيع كاتب الموسيقى التصرف بها حتى عبر المكتوب"، فالتأليف ممارسة للإرتجال في عالم الموسيقى الشرقية، وهذا ما لا يمكن فعله على مستوى الموسيقى الغربية"، مشيرا الى أن الأوركسترا والسيمفونيات لا تستطيع أن تضيف نوتة أو تنقص نوتة ضمن المعزوفة الكلية، مضيفا أن هناك الارتجال الكامل " أنا أمام أفكاري بصحبة آلاتي ، أصنع النوتة بشكل عفوي وآني، من دون تفكير مسبق بما سأعزف". وتابع : إن ممارسة الحرية ضرورية في الموسيقى، شريطة ألاّ تصل إلى مرحلة الفوضى ، التي أكد فيها بروز دور شخصية وثقافة المرتجل وطبيعة تراكميته الموسيقية، بحيث لا يصبح العزف عبثي، وسطحي وغير مدروس عبر خطة واضحة مسبقا.
فضاءات موسيقية
" كل ما قلت الآلات المستخدمة في العزف، أصبحت مسؤولية العازف أصعب وأكبر " ..عمل شربل في العديد من التجارب الموسيقة عبر المشاركة مع أكثر من آلة موسيقة، وشارك في تأليفها وإعدادها، موضحا أنها مسألة صعبة وذلك كون الرسالة الموجهة الى الجمهور مختزلة عبر آلتين مثلا، تحتاج قدرا كبيرا من الوقت والجهد في الكتابة الموسيقة والتوليفة بينهما على مستوى الأسلوب والكيفية في العزف. بالإضافة إلى عملية توظيف الأفكار بين العازفين للمقطوعة المشتركة. وأشار شربل الى مسألة تطوير استخدام العود عبر زيادة أوتاره، يعد خطوة نحو تطوير الآلة من خلال تعاط أكبر مع النغم، وإضافة نوعية في المخرجات الموسيقية، مؤكدا على أهمية مواكبة العقل الموسيقي لمرحلة التطوير الجذري الذي ينقلنا إلى فضاءات موسيقية أوسع.
" مختلف أنواع الموسيقى بآلاتها المختلفة من بلدان عديدة لابد أن تؤثر في العازف بشكل طبيعي " .. تأثر شربل بمختلف الآلات الموسيقية من مختلف بقاع العالم، كموسيقى الشعوب في آسيا الوسطى وغيرها، لافتا الى أن العملية برمتها تعتمد على عاملين أساسين وهما: الإنفتاح على الفنون الأخرى الذي يجب أن يملكه الموسيقي، والتواضع أثناء التعاطي معها. ليبدأ عبرها بالاحتكاك مع مخزون جديد ومختلف، ما يساهم في أن يأخذ من أجوائها المختلفة ما يضيفه بشكل مغاير في الموسيقى العربية، بعيدا عن التقليد. " هذا ما أسعى له عبر الورش الموسيقية المختلفة، فهي عبارة عن لقاءات وحوارات حضارية تغني مكنوناتك وتثريك فكريا ".
" عناصر الكلمة الجميلة والصوت قاعدتان لممارسة التلحين" ..هكذا عبر شربل عن أن هناك عناصر يجب أن تكون مستوفاة، من أجل أن يُقدم على فعل التلحين، وهما الصوت الجميل والكلمة الأجمل ذات البعد الاجتماعي والرسالة الانسانية، موضحا أنه لا يرفض العمل مع أي فنان صاحب طبقة صوتية وذائقة موسيقية رفيعة، معللا عدم وجود التعاون مع بعض النجوم بغياب لقاءات تفاعلية بينه وبين الفنانين. " لا أحبذ الكلمة الفضفاضة، من دون فكرة أو رسالة حقيقية تنقلها عبر الموسيقى"، لافتا الى أن الألتزام لا يجزأ بمعنى أن الموسيقى معادلة للبحث عن الجمال، وعداها لا يعبر عن جوهر وسر وجود الموسيقى في حياتنا.
تجربة موسيقية
" بنيت سيرتي الذاتية من تجربة موسيقية تراكمية " .. التجربة على أكبر المسارح، بالإشتراك مع مختلف الفنانين المخضرمين، شكلت لدى شربل الإحساس الفعلي لبناء تجربة سيرته الذاتية . وأوضح أن الشخص لا يستطيع الانطلاق من دون تراكمية ومحاكاة، ليصبح بعدها أسيرا لفكرة التجربة الخاصة، معبرا عن أنها تأتي عبر البحث أيضا فهو بدأ أستاذا للموسيقى ومن ثم توسع المشروع شيئا فشيئا، إلى مستوى التأليف والتلحين وأداء الأغنيات.
إضاءة
شربل روحانا 1965، موسيقي لبناني، حاصل على دبلوم في آلة العود من جامعة الروح القدس في لبنان عام 1986، وماجستير في العلوم الموسيقية من نفس الجامعة بعام 1987. حيث يعمل أستاذا لآلة العود، واصدر مؤخرا في 2010 ألبوم بعنوان" دوزان " بالاشتراك مع الموسيقي ايلي خوري.
