المعلم هوبير وحجر تيماء بين غاية الاكتشاف ولعنة السرقة

يقال إن الرحالة الوحيد الذي لم يكن جاسوساً أو راهباً مندساً ليتوغل أرض جزيرة العرب، هو الفرنسي شارل أوغست هوبير، والذي كان معلماً انتدبته وزارة الثقافة الفرنسية في القرن التاسع عشر لاستكشاف التيبت وأفغانستان وبلاد فارس، ولكنه ذهب إلى الجزيرة العربية بعد أن تعلم اللغة العربية في شمال أفريقيا ودمشق، فمن أرسله يا ترى؟ لكن الشاهد أن رحلته إلى حائل وشمال المدينة المنورة نتج عنها الكثير من الكتابات، من ضمنها تفاصيل دقيقة عن آثار جزيرة العرب، تعود لفترات تاريخية غير متوقعة، والأهم أنه توج رحلته باكتشافه حجر تيماء الشهير القابع الآن في متحف اللوفر الفرنسي.

تيماء بطليموس

من أهم وأمتع كتب الرحلات التي قرأتها هو كتاب «رحلة في الجزيرة العربية الوسطى» لعالم الساميات الفرنسي شارل هوبير، وعلى الرغم من أنه لم يتسن للعرب قراءته إلا بعد ترجمته في لبنان عام 2003م، لكننا اكتشفنا أخيراً ما فيه من وصف دقيق للقرى والوديان والواحات والصحاري في الجزيرة العربية، تلك التي مر بها هوبر بين عامي 1882 و1884م، ما دعاه إلى أن يكتب وبالتفصيل عن المسافات بينها بالمتر والكيلو متر، إلى جانب ملامسته معيشة الناس والأرض والأمراض والحياة الطبيعية من مناخ وزراعة، مطلعاً على العادات والتعليم، فمنذ أن تم تكلفيه بمهمته العلمية تلك، قام ورتب خريطته وبرنامجه للوصول إلى الجوف، مروراً بقرية الكاف وصحراء النفوذ، واصفاً الجبال والتلال والآبار وكل انعطافاته مع خادم وأدلاء يرافقونه في الطرق بين الصخور والرمال والأفلاج. وهكذا حتى وصوله إلى حائل معقل ومقر شمر، وما يهمنا اليوم هي تيماء كونها أقدم قرية آنذاك، في حين كان يعلم هوبير أن المؤلفين القدماء من الشرق كتبوا أنها مدينة مهمة وعريقة، ومنهم بطليموس.

هوبير

 

مقاربة

يذهب هوبير إلى جنوب غربي تيماء على مسافة كيلو متر واحد، ليجد كومة أطلال من الحجارة وقطعاً من الأعمدة التي غطت الرمال منتصفها، وقدر هوبير بأنها توما كما أشار لها الإنجيل، فجاء على ذكرها كونها مدينة مهمة وعريقة، وكما يعرف هوبر مُسبقاً أن تيماء كانت مبنية في الأصل من أحجار بازلتية سوداء، شبيهة بمدن سهل حوران وجبل العرب المهدمة في سوريا، فقام أثناء بحثه وتنقيبه بإيجاد مبنى قديم ومهدم ملاصق لبيت عبدالعزيز العنقري، الذي نُصب في تيماء وقتها، ليلاحظ كيف أن جزءاً من سقفه مصنوع من نبتة «أرطة» طويلة فوق الحجر نفسه تماماً، كما في حوران، والأرطة نبات مشهور من البيئة السعودية، وهي من فصيلة الطحالب.

سحر يأخذ إلى الموت

في ذلك المنحدر كان يعلم هوبير وحسب اطلاعه وقراءاته بأن تلك الأعمدة كانت مدورة يوماً رغم أنه «المنحدر» في ذلك اليوم أصبح بمستوى الأرض، لكنه وجد حائطاً بمظهر جديد ومختلف، وأمام تلك الأطلال استدل على أنها مدينة كانت مهمة يوماً كما قرأ، وهو ما أودى به نحو اكتشاف حجر رملي طولي مستطيل، وكان ذلك عام 1884م وهو المعروف اليوم باسم حجر تيماء المحفور من الأمام بنقش طويل وكتابة باللغة الآرامية.

هذه النقوش والكتابات والوصف باتت من المصادر القيمة للباحثين عن التاريخ القديم للجزيرة العربية وبلاد الرافدين في القرن الخامس والسادس قبل الميلاد، بالمقابل اعتبر البعض أن هذا الحجر سحر لا بد من تجنبه، لأنه يودي بمن يحمله إلى الموت.

تجميع النقوش

لم يستمع شارل هوبير لأحد، فهو قادم من الجمعية الجغرافية الفرنسية التي دعمته بالمال والخرائط، وكان اكتشاف المنطقة جزءاً من مهامه، ليأتي إلى قرية تيماء التي كانت منذ العصور القديمة مدينة كبيرة تقع عند تقاطع الطرق التجارية للقوافل من جنوب الجزيرة العربية إلى الهلال الخصيب، وليتمكن هوبير وقبل أن يُقتل، من جمع ورسم نقوش عدة من الأصل، منها ما هو في لوح منحوت بزخارف تصويرية، وهي كلها مصادر ومعلومات حيوية حول تاريخ العلاقات بين شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين.

استغاثة تيماء

المنحوتة المسطحة والمستديرة في جزئها العلوي فيها نص أشبه بالاستغاثة، حروف منحوتة تستغيث بفعل من أتى وهاجم تيماء، وبعد العثور على الحجر في قصر الطليحان بتيماء، الذي كان في الأصل معبداً يخدمه كاهن، تبين أن اسمه أسفل الحجر: يدعى الكاهن سالم، كما تظهر الشخصية العابدة المنقوشة فيه شبيهة برجال بلاد الرافدين وما بين النهرين، مع ذراعيه أمام المذبح، ويرتدي لباساً طويلاً ومخروطياً، فوق رأسه قرص مجنح، ليوحي المشهد بأنه مستوحى من بابل، وبالتحديد إلى نهاية حضارة بابل الجديدة، وبداية الفترة الفارسية الأخمينية.

مسلة تيماء

 

وكما صرح متحف اللوفر الفرنسي عن مواصفات حجر تيماء أنه يزن 150 كيلوغراماً، وطوله 110 سنتيمترات، وعرضه 43 سنتيمتراً، ويعود تاريخه إلى 2600 عام، وكتب عليه في 23 سطراً، وباللغة الآرامية، وبما معناه ما يلي:

«قد غزا الملك الأكدي تيماء وأراق الدماء وبنى قصراً يشبه قصر بابل ليقيم جنوده فيه، وأودع ثروته فيه، واستخدم الأهالي أسرى، وصادر مواشيهم واستعبد رجالهم ونساءهم وأطفالهم قبل قتلهم... يحملون الطوب والسلال من جراء العمل»، إضافة إلى باقي ما كُتب على هذه المسلة بالقلم الآرامي، وهما أمران رئيسين:

الأول كما تبين لنا هو تنصيب أحد الكهنة في معبد الإله الوثني «صلم» في تيماء. والثاني ينص على التزام المعابد الأخرى بتقديم محصول إحدى وعشرين نخلة ضريبة لمعبده.

ورغم أن سرغون الأكدي، الذي قضى على السومرية قد مضى على غزوه العالم القديم أكثر من 4350 عاماً، لكن الرسومات على المسلة واللسان الآرامي دلت على فترة متقدمة وهي الفترة البابلية.

مصرع هوبير

قام هوبير بنقل حجر تيماء في طريق العودة عام 1884م، ولكن رحلته تحولت إلى مأساة بعد مصرعه قبل وصوله إلى جدة، وكأنه حادث مدبر، لم يُعرف حتى الآن أسبابه الكاملة، فهل هي أسباب سياسية بين الدولة العثمانية وألمانيا؟ أم أنها مجرد حادثة لمجموعة من اللصوص لسلبه ونهبه؟ ليتحدث العامة في ما بعد عن لعنة الحجر المسحور وكيف أودى بسارقه.

في ذلك اليوم، وجده خادمه ممدداً على الأرض في الطريق ومغطى بالبشت العربي، فاعتقده نائماً، حتى لاحظ الدم في رأسه المضروب من جهة اليمين، فهرب الخادم المدعو محمود حتى استطاع الوصول إلى القنصلية الفرنسية في جدة ليخبرهم، وحينها رتبوا له جنازة العودة، مطالبين بالحجر الذي معه، لينقل إلى متحف اللوفر بباريس. والآن، وبعد مرور أكثر من 120 عاماً على وجوده هناك يستطيع أن يزوره أي زائر ويرى الحجر في الطابق الأرضي للمتحف ـ قسم الآثار الشرقية، وبالتحديد في جناح «سولي» الغرفة 19، وقد كُتب أسفله تعريف له كما يلي:

«تيماء، المملكة العربية السعودية

القرن الخامس قبل الميلاد

حجر رملي

بعثة شارل هوبير عام 1884م».

 

رصد ممتع للتفاصيل

كتب شارل هوبير مذكرة باللغة الفرنسية، عن رحلاته في شمال الجزيرة العربية، وبعد أن طلبت القنصلية الفرنسية في جدة كل مقتنياته بعد قتله، قامت الجمعية الجغرافية الفرنسية بتحريرها ونشرها وعنونتها بـ«رحلة في الجزيرة العربية الوسطى»، لنكتشف جهده المهم للغاية، فالكتاب يحمل الكثير من التفاصيل الدقيقة للدروب التي مر بها من شمال الحجاز وحائل والقصيم حتى مغادرته العراق وبلاد الشام عبر صحراء بادية الشام خلال الأعوام 1878 إلى 1884م.

غلاف الكتاب

 

تلك التفاصيل التي تخص الطرقات والطبيعة المناخية والأرضية أفادت كثيراً المختصين بعلم الطبوغرافيا، لكنها أيضاً جمعت في كتاب ممتع للقراء، لأنه كتب بجمال وسهولة عن أخبار الناس آنذاك، لنكتشف أن تشارلز هوبر لم يكن بسيطاً أبداً كما يبدو، فقد استغل بعثته إلى أقصى درجاتها، فترك الكثير من الدراسات الجيولوجية والإثنوغرافية واللغوية، وتسجيل الأرصاد الجوية، إضافة إلى الكتابة عن مجموعات من الأسماك الأحفورية والحشرات والزواحف والجماجم، ما يوضح مدى تكريسه واستثماره الوقت وحرصه على عبور الصحراء الساخنة حتى الوصول إلى جوبة وحائل فاكتشافه هناك حجر تيماء والذي يعد أشبه بمسلة قصيرة، قد رسمه هوبر في كتابه مع النص الآرامي والرسوم، لتعد الآن هذه المسلة ذات أهمية تاريخية تمثل جزءاً مهماً من تاريخ محافظة تيماء ومن تاريخ جزيرة العرب، وفي مقدمة الكنوز المكتشفة في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

 

كتابات عن تيماء عبر التاريخ

مكعب حجري باللغة الهيروغليفية اكتشاف آخر في تيماء

 

أظهرت نقوش آشورية يعود تاريخها إلى القرن 8 ق.م، أن عليها اسم «تيامات» أي تيماء، ووصفت بجمالها وغناها وازدهارها، ووضع الملك الآشوري «سنحريب» على بوابة من بوابات نينوى اسم البوابة الصحراوية، ويعني بها تيماء. كما أنها ذات سلالة محلية من ملوك ورد اسما ملكين من ملوكهما وهما شمسي وزبيبي على حجر آخر تم اكتشافه في تيماء يعود إلى القرن 7 ق.م، وكتابة أخرى بالهيروغليفية، وكل هذا كان دليلاً على موقعها التجاري الهام.

وأخيراً يرجح البعض أن تيم (تيماء) هو أحد أبناء سيدنا إسماعيل عليه السلام، وما زال البحث جارياً لاكتشاف المزيد.

 

وصف لدراويش الحج

هوبير باللباس العربي

 

من المعروف أنه في القرون الماضية كان حج الدراويش الزهاد إلى مكة يستند إلى عطاء العابرين والمسافرين لهم مقابل موعظة، لذا يكونون بلا تجهيز، فيسيرون على أقدامهم في الطرقات الصحراوية الخطرة بلا زاد أو راحلة، وكانت تلك عادة قديمة وكانوا يمثلون الوعاظ. ورأى الرحالة هوبير الكثير منهم وذكرهم في كتابه، خاصة في وادي السرحان حين رأى ثلاثة أشخاص في لحظات احتضار وهم قرب جثة، فحاول إسعافهم بعد أن علم أنهم ساروا وهم عُزل مدة ثمانية أيام من الجوف قاصدين قرية الكاف ومنها إلى دمشق. ووصف حالهم، بأنهم جلد على عظم من التعب والعطش.

 

رحلة حافلة بالوصف

بقايا معبد أو قصر تيماء

 

وصف شارل هوبير طرقاته التي مر بها بشكل دقيق، ونعد هذا الوصف الآن نادراً في جغرافيات الأمكنة في المملكة العربية السعودية، خاصة أنه يسهب في وصف حرارة وخشونة الطرق، وسير الأدلاء العرب، وتلك القوافل في اتجاهاتها المختلفة، والجبال البركانية المرتفعة والممتدة على مسافات طويلة، وذلك الطفح البركاني المتصلب، وطرق التجاويف وفقاقيع الصخر، وصور كأنها خيال، مع أسماء العشائر والبطون والأفخاذ، ووفرة من الأسماء والأنساب. وإن نادى البعض بالتحقيق والتحرير في نطقه للحروف وكتابته بها للتأكد من صحتها، فلا ضير من ذلك، فالقواميس القديمة متوافرة للباحث إن أراد التأكد منها.

36

قُتل شارل هوبير في هذا العمر الصغير، ومؤكد أنه لو بقي على قيد الحياة، فإنه بعلمه الغزير ومعرفته وبحثه كان اكتشف المزيد وكتب أكثر.

1874

رحل هوبير إلى شمال أفريقيا في هذا العام، ليتعلم اللغة العربية الفصحى ولهجاتها المحكية، بعد أن درس الكيمياء والطب واشتغل في الآثار والتنقيب.

1880

اكتشف شارل هوبير في هذا العام كلاً من بريدة وتيماء وخيبر، بعد أن عبر الصحراء وجوبة وحائل، ولم تكن صدفة، بل لأنه كاتب وخبير في الحفريات والخرائط.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon