تسريحات الشعر الأولى

أبدعت السومرية في جدائلها لِتَعْبُر الزمن

صورة

يُشكّل تصفيف الشعر أو حلاقته أو تسريحه، ومهما اختلفت المسميات في الشأن، غاية جمالية سامية في أنماطها المختلفة تصبح هوية تمنح حضوراً شعبياً وثقافياً، وبمقومات جاذبة ومتفردة، توحي بالذوق، وتعمل على تراتيب اجتماعية ومنظمة، فشعر المرأة، ومنذ القدم، عنوانها وحديقتها وسمتها، لذا كانت تتفرد في بناء تسريحاتها بالفضة والذهب والورود والعطور، لتصبح خصلاتها فواحة بجانب نموذجيتها وتسريحتها القائمة.

تسريحة الحضارة الأولى

ومن خلال بحثي عن أزياء الماضي وتسريحات الشعر في المنطقة، والتي تعود بعمرها إلى أكثر من خمسة آلاف عام.. وما تبقى منه في يومنا هذا، تبين لي أن النماذج المسرحة لم تتوقف عن تطوير نفسها منذ ذلك حضارة السومريين، ذلك بين تموجات الشعر الطويل وقصه أو ترفيعه بأساليب مختلفة، ومروراً بـ«الباروكات» الرجالية والنسائية الجاهزة، ووصولاً إلى التسريحات المرنة والعملية، وإلى الأغطية، وكذا كل الأسباب التي مرت في تاريخ البشرية. ولكن، وفي العموم، بقيت تسريحات الحضارات الأولى ولم تتغير كثيراً عن تسريحات سيدات هذا الزمن المعاصر.

استمرار

وسواء لدوافع طبقية في المجتمعات القديمة أو حتى الحديثة، أو لأسباب تحددها المعتقدات السياسية والدينية أو لتقديرات اقتصادية، أو لضرورات مناخية وطبيعية، نجد بوضوح مدى التشابه بين تسريحات الماضي في الحضارة السومرية، وهي الحضارة الأولى في العالم كما اتفق عليه المؤرخون، وهي تشبه التسريحات النسائية حتى الآن في نماذجها العصرية، لتظل مقبولة كما هي رغم مرور آلاف السنين، رغم كل هذا الفرط من التنوع.

وفي الحضارة السومرية في جنوب العراق، وقبل خمسة آلاف عام، برعت السيدات في تسريحات شعرهن، وكانت لي وقفة أمام ما مهرت به المرأة في هذه الحضارة من أعمال وأساليب متنوعة في تزيين رأسها.

الجدائل الأولى

تسريحة الشعر في الحضارات القديمة مثلت جانبا مهما ورئيسيا من جوانب شخصية الإنسان، ولا يقتصر الأمر على النساء آنذاك، فالرجال أيضا أخذ تسريح الشعر جزءاً من وقتهم، لكنني هنا اخترت أن أركز على رؤوس النساء والأنماط المختلفة والمتقنة المزخرفة التي كن يبرزنها في العقص المجدول منذ خمسة آلاف سنة، لأرى الأشكال المتعددة والجدائل الملتوية والخصل المرتبة وبشكل جيد، لتأخذ المرأة دورها في شخصيتها من خلال تسريحات شعرها ولتتبع المرأة السومرية كل نساء المنطقة والحضارات الأخرى القريبة والبعيدة، وحتى الحديثة، فمنذ تلك الفترة وباختلاف القوالب والأحجام، بقيت متشابهة في فكرتها الأولى.

اقتباس

والصور القديمة للسومريين رجالاً ونساءً بتسريحاتهم المنوعة، كانت في مجملها قد توثقت في المنحوتات السومرية أو صور النحت على الجدران أو المحفورة في الأختام الاسطوانية لبلاد الرافدين، التي توضح لنا بجانب تسريحات الشعر، جميع الأزياء، وأشكال الشال والأغطية الواقية حسب تنوع المناخ وتقلبه.

لكن تبقى التسريحات مغزولة ومزخرفة حسب المواسم صيفا وشتاء، لإظهار الوجاهة والغنى والمناصب والمراكز والزينة، بجانب أن هناك تسريحات رفعت على الرأس لاتقاء الظروف الجوية، فبلاد سومر التي بنت حضارتها حول نهريها كانت دائمة الاهتمام بزي النساء والرجال، بدءا من التسريحة وإلى الملبس.. وانتهاء بالأحذية الجلدية اللينة والخفيفة، أما التسريحة فتبقى هي التتويج للمرأة، وتزينها بالجواهر والذهب من الدبابيس كي تتباهى برأسها طوال النهار.

السيدة السومرية

سرّحت السيدات السومريات شعورهن في أنماط مختلفة، بين المعقدة والسهلة، كما بدت من الصور والتماثيل، وبلا شك في أن تلك العمليات تطلبت اهتماما يوميا منهن، بدءا من العدة إن تخيلنا ما بها من أمشاط خشبية وصدفية ونحاسية، ووصولًا إلى شرائط الشعر وعطوره، وانتهاءً بجلسات التصفيف أو التجعيد أو التموجات التي تتخلل الشعر، ذلك بهدف استمرار التسريحة الثابتة طوال اليوم، وكانت المرأة السومرية تخلط مواد لتضعها وتستخدمها في زينة شعرها كالجير ورماد الخشب.. أو حتى بعض قطرات الخل ممزوجة مع النبيذ، بجانب العطور الفواحة والزهور ودهن الشعر، ووظفت كل هذا لتثبيت التسريحة.. إذ إنها مواد وخلطات مجدية، مؤلفة من مواد سائلة وجامدة، تذاب بين الجدائل.

وهكذا فقد تصدرت التسريحات بأشكالها المختلفة ومقاماتها وجمالياتها المتنوعة على رؤوس السيدات السومريات، وباتت مألوفة إلى الآن ولم تتطور كثيرا، بل ظلت في أغلبها كما هي الآن في المناسبات، لتعبر إلى عالمنا الحديث.

مؤرخون

لم يتطرق المؤرخون لهذا الموضوع إلا مؤخرا، وأهم من تطرق لهذا الموضوع هم من تخصصوا في وصف الأعراق البشرية المنسية، أي علم الأثنوغراف، إذ حقق المعنيون بشؤون هذا الحقل العلمي تقدما في ذلك، لتخرج لنا بفضل دراساتهم، أحوال الناس في الحضارة السومرية الأولى وثقافاتها ومظهرها بشكل أفضل، ومن ضمن المساهمات في هذا الصدد أعمال ورسومات سيدة تُدعى جابرييلا سوليوك المتخرجة من أكاديمية الفنون الجميلة في بودابست، التي وضعت وجسدت التسريحات بريشتها الفنية رسما، بالإضافة إلى الوجوه والأزياء والأجساد.. ذلك بعد اقتباسها من معظم المنحوتات السومرية في متاحف العالم.

وقد ركزتُ بدوري، على الجزء الذي يخص التسريحات السومرية من ضمن رسومها، لأبحث عن مجتمع قديم، خاصة أن رسومات هذه الفنانة قد أضافت لهذا العلم.. وسدت الكثير من الفراغ في هذا المجال.

تاج الملكة شبعاد

ملكة سومرية من العهود المتأخرة، عثر على قبرها عام 1922م، وجد التاج على هيكل رأسها وهي ممددة على سريرها الخشبي الأنيق ومعها جارياتها. ترتدي الملكة شبعاد ملابسها ومجوهراتها من ذهب وفضة وأحجار كريمة، وأقراط أذنها وتاجها وكامل حليها كما هو منذ آلاف السنين حيث لم يصل اللصوص إلى قبرها كباقي القبور، ليبقى تاجها المميز حديث المهتمين والباحثين، لأنها بدت كبقعة وتاج في آن واحد.. مزين بأوراق النبات من الذهب الخالص رغم مرور آلاف السنين.

كهنة الملك السومري

تميزت رؤوس الكهنة في الحضارة السومرية بربطاتها، لتصبح الأقمشة نموذجا على رأس الكاهن وبديلاً عن التسريحة، ليتميز عن عامة الناس، وذلك مع لحية طويلة حتى صدره تشبه الطوق، وتبقى مشاركة الكهنة في الحياة مختلفة، ذلك لدورهم المرتبط بالعبادة والطقوس، نساءً كانوا أو رجالاً. يبقى رأس الكاهن السومري مختلفاً عن كل طبقات المجتمع.

زينة العبادة

مواطنة سومرية تتجه إلى المعبد للصلاة وهي بكامل أناقتها، ومعظم المصليات في الحضارة السومرية لهن تسريحاتهن أثناء الصلاة، فللعبادة معاييرها في المشهد اليومي حينها، وبالتالي لا وجود لمنحوتة أو رسم لامرأة تصلي بشعر مفرود، فلا بد من تسريحة ومزينة بأشرطة من الأنسجة المتنوعة، أو النبات، وأن ترتدي المرأة المصلية، حينذاك، الزي الأنيق...لترتبط بذا، العبادة بالجمال.

شماغ الملك كوديا السومري

على الرغم من تماثيل الملك كوديا السومري العديدة، تبقى منحوتته الحجرية السوداء من أجمل المنحوتات التي وجدها الاثاريون أثناء التنقيب، فلم يكن الخدش قد طاله، لكن المفاجأة في ما يهمنا هنا هي قبعته التي لم تبدُ كتاج، بل كشماغ أو عقال عربي ربطه بشكل دائري، ليصبح رأس كوديا في بلاد سومر القديمة شهيرا بها، وعنوانا كان قد ميزه.. وليس مستبعدا أن يكون الشماغ قد أتى إلى جزيرة العرب من جنوب العراق. وقامت الباحثة جابرييلا سوليو برسم الملك بريشتها من الخلف والأمام، لتتضح معالم الرأس والشماغ بشكل أفضل.

2800

منذ هذا العام ما قبل الميلاد، والمرأة السومرية تعتمد تسريحاتها المميزة قبل الذهاب إلى المعبد للصلاة، لتبدو أثناء العبادة أنيقة وهي تقدم إناءها النذري.

1967

في هذا العام نشر المجلد الأول للأزياء في بلاد الرافدين، ويمثل رسومات مقتبسة من منحوتات قديمة، ليضيف الكتاب الكثير للجانب المعرفي والتوثيقي لعلم الأعراق.

100

يقال إن الملكة السومرية كوبابا حكمت مدينة كيش الواقعة في جنوب العراق، ولها منحوتة تبدو فيها وعلى رأسها ربطة أنيقة وعالية وضعت أعلى تسريحتها.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon