الشاعر عمر عنّاز: أمضي بالكتابة إلى حيث الينابيع

قادنا هذا الحوار مع الشاعر العراقي عمر عنّاز، إلى اكتشاف أناقة لغته المسترسلة والمتوهجة وهو يتحدث عن إبداعاته الجمالية التي يعرف نوافذها جيداً، وينتصر بثقافته الإنسانية المميزة وفتنة لغته، وهو يمضي بحديثه نحو الحرية والقصيدة والجمال والإنسان. لا شك أنه غني في متخيله اللغوي والرؤيوي، عمر عنّاز شاعر وإعلامي فاز بجوائز عديدة، منها:

المركز الأول في جائزة «دبي الثقافية» وجائزة ديوان العرب في مؤسسة البابطين للإبداع الشعري، فضلاً عن العديد من الجوائز الأخرى، وصدر له العديد من دواوين الشعر، منها:«خجلاً يتعرق البرتقال» و«أحمر جداً» «وطلعٌ مُشتهى».

نحاوره اليوم بعد مشاركاته العديدة في الدولة، بدءاً من برنامج «أمير الشعراء» ومروراً بـ«بيت الشعر» بالشارقة، وانتهاءً بأوبريت "زايد الخير".

مخاض ما قبل الكتابة

يقال إن لحظات كتابة القصيدة تستنزف الشاعر، إذ يكون في أعلى درجاته الحسية والفكرية، وفي الوقت ذاته هي لحظات يعشق الشاعر فيها نفسه.. ماذا تقول عن هذه الفترة المضيئة والمختلفة؟

لعلك تعنين مخاض ما قبل الكتابة، تلك اللحظة التي تجعلني أركض بكل ما فيَّ من جنون في المسافة الزمنية الممتدة بين الواقع والحلم، متشوِّقاً للإمساك بطير القصيدة وهو يطوي سماوات روحي المسكونة بالقلق والترقب والانتظار.

العربية أجمل النساء

تعشق اللغة العربية، وثقافتك عربية تماماً، وأحاديثك وأمثالك وحكمك والقصائد التي تحفظها كلها مردها إلى المعلقات العربية وقصائد الأدب العربي القديم. ماذا تسمي وتوصف الثقافة الخاصة بك والمتأصلة فيك؟

العربية هي أجمل النساء التي تعرفت إليهن في هذا العالم وأكثرهن إخلاصاً لي، رغم محاولتي الفاشلة في خيانتها بالتعرف إلى لغات أخرى، أحب العرب شعباً وتاريخاً مضيئاً، وأعشق والعربية لغة وثقافة، أعدّها منجماً أحلم أن أكون أحد المنقبين عن الذهب غير المكتشف فيه.

زمن الأشباه

ماذا يعني أن تكون شاعراً في هذه الزمن العصيب؟

ليس ثمة من يملكون خياراً أن يكونوا شعراءً أو كُتَّاباً أو فنانين، سوى الواهمين وما أكثرهم في هذا الزمن المليء بالأشباه والمضلَّلَين، لا أعرف إن كنت قد تحققت شاعراً أم لا، كل الذي أعرفه أنني حاولت أن أقول كلاماً وافق أن جاء موزوناً، متلمساً معنى يسعى لرفع راية الإنسانية عالياً.

ابن بيئته

لديك نضارة شعرية، أو دعنا نقول، شعرك نضر، هل هناك خيط داخلي في روحك يربط بين قصيدة وقصيدة لتصنع كل تلك القصائد النضرة؟

الشاعر ابن بيئته وقصيدته بنتها، ولعل لنشأتي في مدينة «الموصل المنكوبة» الغافية على كتف دجلة دوراً في اتسام قصيدتي بما تفضلت به عليّ من وصف أتمنى أن يكون متحققاً فعلاً.

ترجمة قلوب العاشقين

ما تكتبه يبدو فاتناً، لكنه واقع لا يكتبه سوى أصحاب التيارات الفكرية العميقة الفهم للتطورات الزمنية؟ هل يهمك أن يفهم ذلك نقاد ومثقفون كبار؟

كل ما أفعله في الكتابة أنني أترجم ما تقوله عصافير قلوب العاشقين والمتعبين «غير الشعراء»، الذين قد يكونون أكثر اكتنازاً شعورياً مني أنا الذي لا أتقدم عليهم سوى بشبرين من معرفتي بتقنيات القول الشعري، أما النقاد والمثقفون الكبار فهم رفاق وأصدقاء أحترمهم وأكنُّ لهم المحبة كلها.

«أمير الشعراء»

في برنامج أمير الشعراء، امتلأ مسرح شاطئ الراحة لمجرد سماع اسمك، هل تعتبرها إشارات مسجلة لمستقبلك؟

محبة الناس هي ما أراهن عليه دوماً، وفي أمير الشعراء كان قلبي مزدحماً بمحبة الكثيرين، سواء ممن حضروا أو ممن تابعوا مشاركتي عبر الشاشات، وكنت آمل أن أزيد مساحة الفرح بقلوبهم عبر وصولي للمرحلة النهائية بما كنت قد حصلت عليه مشاركتي من إشادات وعلامات عالية من لجنة التحكيم الموقرة، غير أن التصويت كانت له الكلمة الفصل.

تتفاعل مع جمهورك بحب، ولا تترفع على أحد، فهل تحرص في شعرك أن لا تكون بينك وبين هذا الجمهور هوّة؟

في كلمة «جمهوري» شيء من الانحياز لذاتي، دعيني أصفهم بأصدقائي الذين يشاركونني كتابة القصيدة بما يفيضون عليَّ من محبة ووفاء، هؤلاء الرائعون هم زهوي ورهاني الرابح، وليس بيني وبينهم سوى مساحة خضراء من المعاني الزاهرة.

بالفرح وحده ننتصر

في الآونة الأخيرة، اندلعت الحروب في كل مكان من حولنا، فانتعشت المشاعر الحزينة مناشدة لبعث الأصالة والحب والسلام في العالم.. وأنت تقاوم الموازين المقلوبة في وطنك...ما كان دورك في هذا الخضم المتلاطم؟

المشاعر الحزينة غير مجدية في تقويض فكرة الحرب، بالفرح وحده ننتصر على كل ما هو سلبي وغير جميل في هذا العالم، الذي صارت فسحة العيش فيه لا تتسع لعاشقَين، نعم، لا بد أن نبعث الفرح بكل معانيه وتجلياته الروحية والشكلية وهذا ما اجتهدت في صناعته عبر ما كتبت وأكتب من قصائد تنتصر للإنسان المتجاوز لعُقَد الانتماءات الضيقة.

هل تضيق القصيدة بشاعرها، وما الوجهة التي يقصدها خارج فضاء النص؟

القصيدة تتسع لاحتواء شعوب وأوطان وقضايا كبرى، فكيف تضيق بشاعرها !! والحقُّ أنني مدين للقصيدة الوطن التي كانت خير ما أقمت به من بلاد خلال السنوات الثلاث التي قضيتها نازحاً عن العراق ولمّا أزل.

النزوح الأجمل

النزوح شكل لأولئك الذين عانوا الكثير من الغضب والصدمات النفسية، والشاعر مراقب ووجهة نظره تثير التساؤلات حول التكامل والتفاهم والرحمة في عيون النازحين، فهل قصائدك الأخيرة في ديوانك الأخير «طلعٌ مُشتهى» نازحة لتتشكل في غربتها؟

كل حروب الدنيا لا تستطيع أن تجبر قصيدة على النزوح من وطنها الأم المتمثل بذات الشاعر، لا أحد يملك ذلك سوى مساحة من بياض تدعى الورقة، هناك يكون النزوح الأجمل، حيث تحط القصيدة مثل فراشة ملونة على زهرة بيضاء، أما الغربة فهي لون جديد أضفته لعلبة ألواني الكتابية.

كيف يمكن للمثقف أن يسهم في صناعة السلام في ظل هذه الحروب والخلافات التي تتسع رقعتها يوماً بعد يوم؟

لا يلزمني كثير اجتهاد لأقول إن المثقف هو المادة الأولية لصناعة السلام والجمال والمحبة، وإن الثقافة هي التجلي الحقيقي لانتصار الانسان فينا.

الورطة فرصة

كيف استطعت أن تجتاز أيامك السوريالية في غربتك لتكتب شعراً؟ وعوالمك الداخلية ماذا فعلت بك وبشعرك؟

لم تكن الغربة خياراً، لذلك كان من المنطقي أن أتصالح معها كما يحدث للرجل مع امرأة تورّط بالزواج منها وحالت ظروف شتى دون فسخ العلاقة، وأشهد أن هذه المرأة «الورطة» قد منحتني فرصة إعادة تعريف الكثير من التفاصيل التي حال قربي منها في السابق من التعرف إليها بوضوح.

بعيداً عن أضواء الأمسيات والمهرجانات، علمنا أنك تعيش حياة الزهاد والبسطاء متعمداً، هل هو طقس تستلهم منه موضوعات قصائدك وأنت المشتغل في حقل الشعر الغزلي بمساحة شاسعة؟

لستُ زاهداً بمعنى التخلي عمّا أصبو لتحقيقه، ولا بسيطًا بالقدر الذي أكون فيه بالمتناول، كل ما في الأمر أنني غير مقتنع بجدوى الكثير مما يتصارع حوله الناس في معركتهم الخاسرة هذه، وأزعم أن كل ما نبت زهرهُ من قصائد ببستان قلبي سقيته من ماء هذه القناعة.

قلت مرة بأن علاقتك باللغة مفرطة الحساسية، فإن قرأت كتاباً لم يرق لك مستواه اللغوي أبديت انزعاجك وإن كان مترجمًا وإن كان موضوعه شيقًا؟ عبر لنا عن هذا الارتباط بينكما؟

العربية لغة تضيء القلوب التي تَسكنها بقناديل من حروف، فكيف لي أن أتعاطى مع نصٍ معتم قلب صاحبه بالأغلاط النحوية والصرفية والبلاغية المشوِّهة لوجه الورقة !!

أكرم المقامات النورانية

قصائدك في الحب المتخيل تصيغها بشجاعة، لذا يُخيل لمن يستمع لشعرك بأن قصيدتك غزلية، لكنها امرأة من وطن، قل من ينتبه لها، كيف تصوّر لنا في أن تكون قصيدتك الوطنية بعواطفها العالية امرأة هامسة؟

المرأة هي أكرم المقامات النورانية التي تُفضي لفهم الوطن فكرةً وانتماءً، معها نشعر بقيمة كل العناوين الجميلة في حياتنا التي ليس أكرمها ولا أعظمها الوطن، بل كل ما يتجاوز حدود المتحقق الى الخيالي في وحدة متجانسة ومتكاملة.

القارئ لشعرك، بموضوعاته المتنوعة، يلحظ أن ثمة قصائد تلامس ذاته بعمق، وأنت تصف ما جرى ليبدو عشقك مستحيلاً أمام ما تنفضه من تفاصيل دموية لم تُجربها في وطنك، على أية ذاكرة تعتمد؟

الإنسان العراقي كله ذاكرة، وهو معجم لأبجديات شتى منذ أول دمع تحدّر من عينين سومريتين حتى آخر جرح نازفٍ في صدر نينوى.

قارورة الروح

يكتب الشاعر ويمر بما هو تنويري بإدراك متناه مع هذيان.. إلى أين تمضي في الكتابة كي تثري شعرك؟

إلى حيث الينابيع الأولى في جنة القلب، بعيداً عن كل الأيديولوجيات والمفاهيم المعقدة التي تصلح لكل شيء سوى أن تكون طعاماً لعصافير القصيدة.

ما الحاجة التي تسكنك لتقول شعراً؟ وهل تفكر في كتابة سيرتك الشعرية يوماً؟

الشِّعر هو ما تفيض به قارورة الروح من فراشات وعصافير وأنغام وشرائط ملونة تتشكل على هيئة كلمات تشعرنا أننا أسهمنا في تأثيث مساحة من هذا العالم الذي نحتاج أن يكون أجمل. أما بخصوص تدوين سيرتي الشعرية فما زلت أعتقد بأن قصائد الشاعر هي سيرته الأكثر أهمية.

القصيدة امرأة ماكرة

يصف الفرزدق كتابة القصيدة انها «أعسر من قلع ضرس» ومع ذلك يكتب الشاعر قصيدته وكأنه قبض على الريح... ما تفسيرك لذلك؟

القصيدة امرأة ماكرة أوشك أحياناً على البكاء في حضرتها عندما تستعصي عليَّ رغم كل ما أبذله من جهد في التودد لها لتسكن في دفتري، وهذا جحيم لا يدركه الكثير من القراء الذين يصدق فيهم قول الجواهري:

«يظنون أن الشِّعرَ قبسةُ قابسٍ. متى ما أرادوه، وسلعةُ بائعِ»

ما هي طقوس الكتابة لديك زمنياً ومكانياً؟ وما إحساسك بعد الكتابة؟

المزاجية هي الحاكم الأوحد لطقسي الشعري زمانياً ومكانياً، لست من عشاق الكتابة على الطاولات المزينة بالشموع والازهار والأوراق الملونة، وأقرب قصائدي الى قلبي كتبتها وأنا أتقلب في زاويا غرفتي المؤثثة بالفوضى.

تفاصيل عطرها

شِعرك لا يشبه إلا سواك، وإن ذهب البعض إلى القول بتشابهه من شعر نزار قباني، فبمن تأثرت من الشعراء في كتابة أعمالك؟

«النزارية» هي القنطرة المضيئة التي مَرَّ من خلالها معظم الذاهبين الى مدينة الشعر، ليس ثمة شعر معاصر لا أثر فيه لظلال القدماء أو المحدثين الذين أزعم أني طوّفت في الكثير من بساتين قصائدهم وما زال على قميصي أثر من تفاصيل عطرها.

خرج شعرك من فطرة روح تسكن إنساناً عربياً بثقافة عربية غير مختلطة ليدخل بحب بين جدران الأكاديميات، هل هوى ذلك الجدار المنيع بين الفطري والدراسي؟

لا جدران فاصلة حينما يكون الوعي هو الجسر الواصل بين الشعر وكل ما سواه على الضفة الأخرى.

«زايد الخير»

ماذا عن مشاريعك الكتابية المقبلة؟

اشتغل على كتاب جديد يؤرخ لفصل شعري مهم من حياتي، فضلاً عن اسهامي أخيراً بالمشاركة شعراً في أوبريت «زايد الخير»، الذي سيقدم في العيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، وسعيد أن يُفتَتح هذا الأوبريت بقصيدتي التي انتظمت ضمن عمل إبداعي ضخم تُشرف عليه وزارة الثقافة وتنمية المعرفة بدولة الإمارات، ويشاركُ فيه فريق عمل مائز تتقدمه المخرجة والممثلة السورية البارعة عتاب نعيم.

ويطيب لي بهذه المناسبة، أن أتقدم للشعب الإماراتي وقيادته الحكيمة بالتهنئة، متمنياً لهذه البلاد الكريمة أن تظل عنواناً عربياً مشرقاً نُباهي به.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon