أمس واليوم

نجمة «اللوفر أبوظبي» صالون باريسي خشبي يروي حكايات الجمال والتأمل

أثناء التجوال في متحف اللوفر أبوظبي ثمة غرفة خشبية جانبية واسعة بمرايا ونحت في أعلى جوانب الغرفة، تقف مدهوشًا وثابتًا في هذا الصالون العريق الذي يدعوك في حضرة أعمدته التي تحيط بك وتحضنك بالذهاب بفكرك في مدى تلك الطبيعة المانحة من رائحة الغابات، وخلق شعور مختلف من الهدوء الداخلي والسكون الفكري والتأمل. هذا الدفء والجمال، وهذا الصالون الذي صمم من خشبٍ مرن وقوي، يناسب من يريد أن يكون في حضن الاسترخاء على الدوام.

إقبال على الحياة

في عشرينيات القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الأولى، تطلع الفرنسيون إلى مستقبلهم وأسلوب حياتهم بقلب مفتوح وبحب كبير، من أجل رؤية جديدة وتوديع ماضٍ مهزوز الروح، خاصة أنهم مروا بصدمة الحرب العالمية الأولى النفسية، ليذهبوا نحو الفنون، ويخرج بيكاسو الذي أتى من إسبانيا إلى فرنسا بتطلعاته المبتكرة، وكذلك ماتيس الذي أعاد الخط واللون إلى هيئة جديدة، مرورًا بكوكو شانيل، هذه السيدة التي قامت بتحديث أزياء المرأة، فإلى جيمس جويس القادم من أيرلندا إلى باريس ليقوم بتجربة جديدة للغة من خلال روايته «عوليس» الأشبه بقاموس من المفردات الجديدة.. كان كل هذا وغيره من الأفكار المتنوعة، أدبًا وفنًا وثقافة، احتضنته باريس التي فتحت ذراعيها للجميع، وبالتالي يدخل الديكور الداخلي من ضمن اهتمام المبتكرين، فاستخدم المصممون الخشب والرخام وغيره في هذا النوع من التصميم وفي مشاريع خلاقة كخلق الشعر، شجع عليها المقتدرون من الأثرياء ومن المتنفذين، فعلى ذلك كتب الأديب الشهير ارنست همنغواي حين زار باريس في تلك الفترة: «العمارة نثر أدبي».

صالون فرنسي

هذه الغرفة الخشبية التي تبلغ من العمر الآن تسعة عقود، كانت تقاس بمجد مختلف بعد الانتهاء من ورشة العمل المعزولة في الريف الفرنسي لصناعتها، وبالتحديد في شرق فرنسا، حيث جرى تصميم الصالون الفاخر للأرستقراطيين بهدف تزيين شققهم وقصورهم.

هذا المبنى الداخلي الطموح كانت فرصة للتعبير عنه لدى معظم المعماريين كحدث معماري محدث وصاخب، بأن يقوموا بتصميم أجنحة فرنسية مزينة وفاخرة لصالة من الصالات في منازلهم، لتستولي على الخيال فيصبح الاهتمام موجهاً نحو الأجنحة الفاخرة في البيوت الأنيقة، وتظهر تلك الصالونات بشكل مذهل، وتتفتح الحياة من جديد في فرنسا بعد الحرب ويقبل الناس على الجمال بحب كبير، وخاصة الأغنياء والمثقفين، وبالتالي أغنياء العالم أجمع.

تفاصيل نادرة

هذه المشاريع التي باتت نادرة، تحولت إلى تحف فنية بحجمها المكلف، بعد أن منحها المتذوقون احترامًا عميقًا من الناحية الفنية والجمالية. استفسرنا مع الزائرين كيف تم النقل وقرارات البناء المرتبطة بالغرفة، لتخرج أحاديث عن التحديات التي واجهت القائمين على المهمة تلك، من بناء السقالات الداخلية بين جدران المعرض.. إلى تفاسير أخرى وجديدة. لذا ستخصص إدارة المتحف وكنوع من الاعتبار للضيوف من الزائرين والمهتمين، ندوة للحضور قريبًا، لشرح هذه التجربة بتفاصيلها النادرة.

صالونات

والشاهد أن هناك صالونات فرنسية أخرى مشهورة وما زالت مستخدمة، نذكر على سبيل المثال، ذلك الصالون الفاخر في غرفة بمتحف «الميتروبوليتان» للفن في نيويورك، والذي صممه المهندس المعماري فرانك لويد رايت، وهو يضاهي الصالون الموجود الآن في متحف اللوفر أبوظبي الآن، والذي هو من تصميم جاك إميل عام 1925م، حيث صممه خصيصًا للأرستقراطي الإنجليزي، الصحفي فيكونت نورثكليف، المؤسس لصحف إنجليزية عديدة.

وكان الهدف من التصميم لهذا الصالون الفاخر، بأن يكون خاصًا لجناح في شقته بجادة الشانزليزيه بباريس، أما الآن، فالصالون نجم له تاريخه المعماري الداخلي الخاص في متحف اللوفر أبوظبي بجزيرة السعديات.

تحدي الرطوبة والحرارة والجفاف

النقل الصحيح للمعدات والتحف، مثل القصيدة لا تقوم إلا على الوزن والمحرك، أي القافية. ونحن هنا حيال نقل جميل من مكان إلى مكان، شرط أن يبقى في جماله. وبلا شك فإن فريق النقل واجه صعوبات عديدة لنقل صالون بهذا الجمال إلى أبوظبي، وقد جرت الاستعانة بالخبراء والمختصين في حفظ الأثاث الخشبي، وبالأخص الديكورات الداخلية، ليتم تكليف شخصين بالمهمة، يدعيان: بالانكي وبيرفيتيني، عملا على مشاريع عديدة من مثل هذا النوع، لكنهما الآن أمام تحفة تبلغ من العمر 92 عامًا، لتثبيتها في مكان آخر مع مراعاة المناخ المختلف بعد حملها في طائرة، مع مراعاة اختلاف مستوى الرطوبة والحرارة والجفاف بين باريس وأبوظبي، ليصبح التحدي عاليًا كي لا يتصدع الخشب ودون أن يفقد لونه الأصلي، بكل تلك الأعمدة وآثار النحت على الخشب وقشوره ولونه الجميل، إلى الأجزاء الصغيرة الثقيلة جدًا.. لتستغرق عملية النقل مدة ثلاثة أشهر، لكن التحدي كان ناجحًا بعد أن قاموا بمعالجة الخشب أولاً بتلميعه عن طريق الشمع المعدني وصهره فيه، حتى المرحلة التالية بشمع عسلي كي لا يجذب الغبار.

وأخيرًا، وبعد أن كانت التجارب التي نفذت قبل النقل كلها ناجحة ومرضية، لتتم السيطرة على الغلاف الجوي بعد أن كان النقل الجوي وعلى متن الطائرة هو الخطر، لذا استغرقت فترة النقل على الطائرة مدة عشر ساعات، كي لا يتعرض الخشب لدرجات الحرارة السلبية، سواء في فرنسا أو في الإمارات.

حكاية بوابة عشتار بين النقل والتركيب

لا شك أن بوابة عشتار مفاجأة للعالم، بعد أن اكتشفها عالم الآثار الألماني روبرت كولدواي، عن طريق التنقيب عام 1887 م، وبالتحديد في مدينة بابل العراقية، والشاهد أنه قام بتفتيتها بحذر، بعد دراسة... إلى متحف برجامون ببرلين، ليشارك معه في تركيبها مهندس معماري ورسام ومعد الوثائق وخبير المتاحف... قاموا بتحلية مئات الصناديق من شظايا الطوب بعناية، وبالتالي تم تجميعها من جديد وتسخينها في فرن خاص ومُصمم خصيصًا لإعادة خلق اللون الصحيح. هذا إضافة إلى تسجيل البيانات الشاملة للبوابة، قبل الحفر وبعده، فكانت من أعظم التشييدات المعمارية تعقيدًا.

تفكيك تمثال الحرية بعد عبور الأطلسي

على باخرة فرنسية تم نقل تمثال الحرية من باريس إلى نيويورك، وهو عمل فني صممه النحات الفرنسي فريدريك بار تولدي، وبمناسبة الصداقة بين البلدين والعمل على تأصيلها. وقد وصل هذا التمثال الجاذب إلى جزيرة الحرية غير المأهولة بالسكان، قرب خليج نيويورك ومينائها، وهناك تم تفكيك هذا البناء الضخم إلى 350 قطعة، والمتمثل في شكل امرأة تحمل شعلة، وكانت القطع موزعة على 214 صندوقًا، وعلى ذلك تم تركيبها من جديد بعد بناء قاعدة كبرى لوضع التمثال عليها. فكانت أكبر عملية نقل ناجحة في التاريخ.

مغامرة قطع معبد أبو سمبل والجبل لنقله وإنقاذه

خلف المعبد المصري أبو سمبل، الكثير من الأروقة التي تخترق الجبل من الخلف، والعديد من التماثيل تجلس هناك، لكن حين أصبح المعبد في مواجهة الغرق من تدفق مياه البحيرة الصناعية وفيضان السد، صاغ الخبراء فكرة نقل المعبد بالجبل، فقطعوا المعبد كله والجبل بالمنحوتات والأسقف والجدران المزينة إلى 1500 قطعة متحركة خلال تسعة أشهر، وتمت معاملة رؤوس التماثيل معاملة حذرة كي لا تتفتت أثناء النقل، وشحذ المناشير بشكل مستمر كي يكون التقطيع صحيحًا، والتحدي الأكبر هو إلصاق وجه رمسيس وتثبيته بعد تقطيعه، وقد تم ذلك مع قضبان فولاذية.

1190

بنى الملك فيليب أوغست مبنى اللوفر الفرنسي بباريس في هذه السنة، وقد سمي باسم المكان المشيد عليه، وكان عبارة عن قلعة للدفاع عن باريس أثناء غيابه.

1793

في ذلك العام، تحول قصر اللوفر إلى متحف قومي بأمر من الجمعية الوطنية، بعد الثورة الفرنسية، لتحتوي صالوناتها قطعًا تصل إلى أكثر من مليون قطعة.

2017

افتتح متحف اللوفر أبوظبي في ضوء الاتفاقية الموقعة بين حكومتي الإمارات وفرنسا لبنائه غاية عرض مقتنيات اللوفر باريس، وليكون حلقة وصل بين الفن، شرقًا وغربًا.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon