بغداد عاصمة للإعلام العربي.. اختيار صادف تاريخاً

حينما يقع الاختيار على بغداد الرشيد، عاصمة للإعلام العربي لهذا العام 2017-2018م، من قبل مجلس وزراء الإعلام العربي، فليس ذلك خبط عشواء، وإنما هو انتقاء صادف أهله، فالإعلام العراقي تليد، بعراقة حضارة ما بين النهرين، دجلة والفرات، التي تمتد جذورها في أعماق ما قبل التاريخ، ولولا ذيوع اسم بابل في فجاج العالم وأزمانه، لما شهد الناس لحدائقها المعلقة كإحدى عجائب الدنيا السبع، ولما عرفوا قانون حمورابي. وهنا يبرز جانب الإعلام كتوثيق وتبليغ لأحداث واقع الحياة.

المربد سوقاً إعلامياً

ولقد كان مربد البصرة الذي راج في بداية العصر الأموي، سوقاً أو مهرجاناً بديلاً للعرب المسلمين، بعد أن انفض سامر عكاظ، فاتجه إليه الأدباء والشعراء واللغويون، لتشهد ساحاته مبارزات جرير والفرزدق عبر نقائضهما الشهيرة.

وبالتالي فلقد كان مجتمعاً متكاملاً للإعلام والنشر، الشفاهي غالباً، حيث تواشجت فيه عناصر الإعلام الثلاثة، المرسل والرسالة والمتلقي، بل كانت وظيفة الإعلام وغايته المتمثلة في ترتيب أجندة الرأي العام وافرة من خلال مضامين القصائد والخطب والنقد وحتى الأخبار المتبادلة بين قبائل العرب يومئذ.

وظل مربد البصرة مزدهراً كفعالية ثقافية ومحطة إعلامية حتى بدايات القرن الخامس الهجري، وطوال تلك الفترة الماضية، كان الناس يأتون لوسيلة الإعلام، لا كما هو واقع اليوم حيث تذهب وسيلة الإعلام إلى المتلقي في مكانه.

ثم لا بد من الإشارة إلى أن بغداد كانت كذلك رائدة وسابقة لغيرها في مجال نشر المعارف على نطاق أوسع من دائرة بلاد العرب، خاصة بعد ازدهار الترجمات في عصر المأمون «العصر العباسي» الذي شهد أدواراً إعلامية متعاظمة لـ«بيت الحكمة» الذي جمع علماء الشرق فتبادلوا المعلومات وتناقلوها إلى مناطق نائية، بعد فتح فارس وخراسان، ومن ثم تواصل مع أوروبا ورفدها بالمعلومة كواحدة من وظائف الإعلام.

الإعلام المعاصر

وأما الإعلام بمفهومه الأكاديمي التخصصي الحديث وهو: «تزويد الناس بالأخبار أو المعلومات الصحيحة والسليمة، بالإضافة إلى الحقائق الثابتة التي تسهم على تكوين رأي عام سليم لمشكلة أو واقعة ما من الواقع، بحيث يعبر هذا الرأي السليم تعبيراً موضوعياً عن عقلية الجماهير وميولهم»، فقد عرفت ذلك بغداد المعاصرة منذ وقت مبكر كذلك.

فالإذاعة العراقية بثت صوتها أول مرة عام 1936م، والتلفزيون بث أول برامجه عام 1956م. وأما وكالة الأنباء العراقية فقد أنشئت عام 1959م، وأدخل التلفزيون الملون عام 1976م. وبالتالي فلا غرو أن تكون بغداد عاصمة للإعلام العربي.

صحيفة الزوراء

تبدأ قصة الصحافة العراقية مع تعيين الوالي العثماني مدحت باشا على العراق، حيث جلب معه مطبعة من باريس وصارت تطبع فيها جريدة «الزوراء» منذ عام 1869م، ثم أسس بعدها مدرسة صناعية في بغداد، وكان من بين أهدافها سد حاجة المطبعة إلى العمال الفنيين والمنضدين، وكان الهدف الأساسي للجريدة هو إعادة الثقة المفتقدة ما بين المواطن والسلطة. ويشكل ظهور هذه الجريدة علامة تحول بارزة وانعطافة للتحول إلى الحياة الحضارية والتقدم الذي كان يتسارع في العالم، وخصوصاً في أوروبا.

و«الزوراء» صحيفة رسمية أسسها الكاتب أحمد مدحت أفندي، وهو في الوقت نفسه أول من تولى رئاسة التحرير فيها، وتولاها لاحقاً الشاعر جميل صدقي الزهاوي.

وقد اهتمت «الزوراء» بنشر أخبار تتعلق بالشؤون الداخلية والخارجية بالدرجة الرئيسية، إضافة الى نشر الفرمانات ومقالات في الشؤون الثقافية والسياسية والصحية، كما اهتمت بانتقاد ظاهرة الفساد في أداء الإدارات الحكومية.

هدف وتحديات

تهدف فكرة «عاصمة الإعلام العربي» إلى رفع كفاءة الإعلام والإعلاميين في الدول العربية من خلال التدريب وورش العمل ومن خلال النقاش والحوار حول مجموعة من القضايا الإعلامية العربية. وينتظر العاصمة الجديدة تحديات جمة في ظل تطور وسائل الاعلام الإلكتروني وبدائل النشر الحديث.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon