دموع بلورية ملونة بقصص المنطقة وتاريخها 2-1

اللبان شجرة صلبة ومؤرخة فكراً وروحاً

ألهمتنا شجرة اللبان طويلاً أمام دموعها التي تاجر بها الشرق والغرب ومنذ آلاف السنين، شجرة صخرية صلبة قاومت ومنذ العصور الوسطى في جزيرة العرب لتصبح مصدرًا تجاريًا وثقافيًا لها، من مصدرها في القرن الأفريقي وصولاً إلى الصين.

فقد شهد المؤرخون على وجودها النازف في بيئة لا ترحم، فهل كانت هذه الاتفاقيات التجارية لهذه الشجرة التي حركت الأموال وعززت المصالح هي الفيصل في تحديد قوة شذاها؟ أم أنها عبرت بعطرها الشافي في حبوبها البلورية لتستخدم في آفاق لم تكن على البال؟

المؤرخون واللبان

كُتب الكثير عن شجرة اللبان، التي تعد تراثًا عريقًا في حياة الشعوب القديمة شرقًا وغربًا، والتاريخ يشهد على فرادتها لكونها طُلبت من القاصي والداني ولأغراض متنوعة، دينية واقتصادية وطبية وجمالية...

يقول المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي ولد عام 484 ق.م: «تنبت شجرة اللبان في جنوب شبه الجزيرة العربية، وكانت الثعابين السامة والخطرة تعيش بين جذوعها، فيقوم الناس بحرق لبانها كي تبتعد بعيدًا».

كما تم تداول اللبان في التجارة مع الصين، وقد ذكر ذلك المؤرخ الصيني تشاو روجوا، وكان موظفًا جمركيًا برتبة مفتش، كتب عن أصل اللبان أنه في تلك الجبال النائية خرجت هذه الشجرة لتنتج اللبان، بجذعها المحفور بالقشر.

معايير

لا شك أن التاريخ القديم يشهد على معايير اللبان الكبرى تجاريًا، وأهميته في الطلب والعرض، فقبل انتشار المسيحية وبالتحديد خلال القرن الرابع الميلادي أدى التصحر إلى جعل طرق القافلة عبر الربع الخالي في شبه الجزيرة العربية إلى صعوبة انتقالها ومرورها، لتزيد الغارات عليها وتجف مع الوقت هذه التجارة «تجارة اللبان» في تلك الفترات الصعبة.

أعود لما تم تأريخه عن اللبان وما تم وصفه في تاريخ البشرية، فقد جاء ذكر اللبان كأكثر البخور مكرسة وموصوفة في التلمود، وهو كتاب يعني بدراسة التعاليم اليهودية، فيه الكثير من التراث اليهودي والقصص الموثقة.

وذُكر أنه كان يحضر أمام الهيكل المقدس في خدمات الاحتفالات دائمًا. والنوع النقي هو الذي كان يقدم في الغالب مع الخبز أثناء ترتيل كلمات النبي سليمان، فقد كان شعارًا للصلاة.

بخور الكنائس والمساجد

استخدم لبان هذه الشجرة في الكنيسة الكاثوليكية تحديدًا، وما زالت، بالإضافة إلى الكنائس المسيحية الأرثوذكسية الشرقية، وكذلك الأديان السماوية الاخرى، كانوا جميعًا يستعملون اللبان المختلط بالزيت، الذي يمنح كشراب للشفاء والعافية للأطفال المولودين والكبار المرضى، لما قيل عن مادة اللبان الشافية كونها تجعل العظام متماسكة الأعضاء بعد الدعاء للمرضى.

العصور الوسطى

إذن هي شجرة متداولة في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، لأكثر من 5000 عام. ولا بد لنا من ذكرها في فترة العصور الوسطى، وكيف دخل اللبان مع التوابل إلى أوروبا منذ تلك العصور عن طريق اليونان ليتحول اسمه من اللبان باللغة العربية إلى «ليباني» في اللغة اللاتينية.

وفي اليونانية إلى «ليبانوس» أو «ليبانوتوس»، ويبقى مصدر الاسم عربيًا «اللبان» منذ ذلك الوقت، ويقينًا أن الغالبية من الناس تساءلوا حينها: كيف لشجرة صخرية متصلبة أن تنزف تلك الدموع البلورية من جذعها؟ والأغرب أنها لا تفعل ذلك إلا حين تكون بين الـ8 والـ10 من عمرها، فيتم الحصول على إنتاجها الشاعري عطرًا.

اللبان فكراً وروحاً

نعود لهذه الشجرة الأسطورة المانحة للبخور برائحتها الزكية على مدى تلك القرون الطويلة، لتصبح هوية المنطقة بفلسفتها الرائجة آنذاك، وتدخل في مسارات طبية وفكرية وعلاجية، بدليل استخدامه في المساجد والكنائس والمعابد كنوع من التطهير، لتمر بعدها بمسارات فكرية مختلفة، بعد أن نمت علاقة خاصة بين الإثنين، الإنسان والشجرة، باعتبارها ليست ككل الأشجار، بل لأنها غدت تجسد الثقافة والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع بعد أن قامت عبر التاريخ مدن في معظم الجزيرة العربية وخارجها، أنشأت قوتها على إنتاج اللبان بأنواعه، خاصة ذلك النوع «الجبالي».

وقد كتب عنه المؤرخ والباحث العماني عبد القادر بن سليم الغساني، في كتابه «ظفار أرض اللبان»، أن الإسكندر الأكبر، بعد أن استولى على جزيرة العرب والخليج العربي، استورد كميات هائلة من البخور من الأراضي العربية.

وبهذا اكتسب شهرة عالمية، بالإضافة إلى أنه كُتب في المخطوطات التاريخية القديمة وهي عديدة. ويتبين لنا أن مدينة ظفار العمانية معروفة بها ومنذ زمن سحيق، علاوة على مدن جيبوتي والصومال والسودان..وغيرها، لما له من خصائص عطرة وجودة عالية المرارة.

وبالنظر إلى هذا الاستخدام المطول للبان فأهمية هذه الشجرة عبر كل تلك الأزمان، في الطقوس الثقافية والدينية، جنبا إلى جنب مع الآثار الدوائية، كونت شخصية الفرد وسلوكه بعد التحقيق في الشخصية الكيميائية الحيوية لهذا الإنسان القديم، ونفسيته التي اعتادت تلك المكونات، وتمدده الروحي الناجم عن حرق البخور.

ساحل خليج سَمَهْرَمْ

ميناء سمهرم الواقع في ظفار بسلطنة عمان، مشهور عبر تاريخه بأنه يُصدر اللبان منذ القرن الأول الميلادي إلى أرض الحضارات الأولى في اليمن ومصر وأوروبا «المتمثلة آنذاك بروما»، وبالتالي استطاع أن يكون ميناءً تجاريًا هاماً في جنوب عمان، ويمتد نفوذه بتصديره اللبان إلى الشرق والغرب.

وعما يُذكر في قصص التاريخ عن هذا الميناء الشهير، أن البضائع المتأخرة عن موسمها تُكوّم في وقت دخول وخروج السفن، وتبقى بلا حراسة للاعتقاد بأن ثمة قوة إلهية تحمي هذه البضائع لوجود تلك الحبيبات المقدسة من اللبان، ويذهب الإيمان بالأولين بعيدًا بأن السفن المبحرة باللبان لن تغرق، فلم تنطلق السفن إلا بشحن ولو كمية صغيرة من ذلك اللبان المقدس.

«بونت» موقعها الجغرافي متباين

اختلف المؤرخون عن موقع مدينة أو أرض بونت أو بُنت أو بُنط بالعربية. هذه الأرض التي جاء ذكرها في جدران معبد حتشبسوت في الأقصر، رجحوا أن بونت هي الآن أرض الصومال أو اليمن أو عمان أو جيبوتي أو أثيوبيا أو حتى السودان، فهذه الأراضي المتقاربة جغرافيًا كلها كان يزرع فيها اللبان.

ولا شك أن المصريين اعتبروا أنها أرض الآلهة لكون الأشجار الصخرية تلك تنبت فيها على الدوام، فكان هذا الاعتقاد السائد لدى الجميع، أما عن أصل معنى الكلمة، فكما أتى في دراسة أعدها الطالب الصومالي عبد السلام محمود لرسالة الماجستير في تاريخ الحضارات والأديان، أن المؤرخين الأوروبيين المختصين بالآثار فسروا كلمة بوون أنه القرن، وذلك استنادًا إلى المعجم الصومالي، وذلك أيضاً، حسب مخطوطاتهم.

مسمى الدموع ومعناه

إن تطرقنا لأصل الاسم فإنه عربي، فاللبان آتٍ من اسم اللبن، وهو مشتق من الحليب، سمي لبانًا إشارة إلى أنه حليبي الأصل، يخرج كاللبن حين ينضج بعد جرحه وهو يشق طريقه عبر اللحاء، وبخروج تلك الحبيبات اللبنية البيضاء فإنه يغلق جرح الجذع من تلقاء نفسه ويشفي اللحاء ويمنع العدوى، حتى باتت هذه الإفرازات من الدموع المكررة تستخدم لإخراج زيوت اللبان.

اللبان سلعة نادرة، فهو بمثابة النفط، إن تم مقارنتها بتجارة اليوم، بينما تجارة الأمس فكانت تملأ القوافل في طريق البخور وهي مزدهرة من اليمن إلى عمان في شبه الجزيرة العربية إلى البحر المتوسط ما يقارب الخمسمائة عام، ناهيك على أن اللبان دواء شمولي يشفي معظم الأمراض وأبرزها، بعد تقطيره وتبخيره ومزجه.

حتشبسوت وسفنها المُرسلة

من أجمل ما كتب عن اللبان هو استخدامه في زمن الحضارة المصرية القديمة، وبالأخص في عهد الملكة الجميلة حتشبسوت والمتوفاة عام 1458 ق.م. فإن ذهبنا إلى الأقصر تحديدا، وعلى جدران معبد هذه الملكة حتشبسوت، نجد نقوشًا تخصها منذ البعثات البحرية التي أرسلتها إلى بلاد «بونت» كما هو منقوش، للتجارة وإحضار البخور والمر.

وتظهر على الجدار لوحات مرسومة لسفن هائلة ومتطورة، وأفراد يقدمون قرابين البخور والمر إلى مختلف الآلهة، فالفراعنة كانوا يستخدمون البخور لآلهتهم بهدف إحراز الرضا.

وقد استعان أطباء الفراعنة في علاجاتهم المتعددة باللبان على الدوام، فبمجرد إدخاله تذويبًا في العلاج، فإنه يكسر حدة مرارة الأدوية، فيقوم بالتالي بإخفاء السعال ويوقف الهزال ويعالج الخشونة وأوجاع الصدر وضعف الكلى والهزال... إلى جانب قائمة طويلة من الفوائد.

أما بلاد بونت أو بنت أو بنط، فلا يوجد إجماع على مكانها، وما ذكر أنها تطل على البحر الأحمر، وأن الوصول إليها يحتاج إلى 5 أيام لإحضار البخور والحيوانات والأخشاب والأشجار، لتصبح حسب الخريطة الحالية، القرن الافريقي، الذي تنبت فيه أشجار اللبان، في الصومال والسودان وجيبوتي واريتريا وأثيوبيا وعمان واليمن.

وأخيرًا يشهد التاريخ لحتشبسوت ابنة الملك تحتمس الأول وزوجة شقيقها الملك تحتمس الثاني ووالدة الملك تحتمس الثالث، أنها كانت تتقن القراءة والكتابة والحساب والفلسفة والطقوس الدينية وقواعد اللغة والإنشاء، وتعشق بخور اللبان.

4000

قبل أربعة آلاف عام استخدم قدماء المصريين اللبان في التحنيط، فخلطوه ببقية المواد المستخدمة، فكما اعتقدوا، أن ذلك يجعل الآلهة تغفر للميت وتهون على روحه.

62

في هذا العام أحرق الإمبراطور الروماني نيرون حصاد اللبان لعام كامل في جنازة سيدة كان يحبها، هذا بالإضافة إلى استخدامه على نطاق واسع في الجنازات.

2000

في 2000 ق.م، شهدت شبه الجزيرة العربية تغيرًا في المناخ، وعانت من الجفاف والتصحر لتتكرس تجارة اللبان عن طريق قوافل الجمال المتحملة لهذه البيئة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon