«ظل البحر» عنوان الفيلم الإماراتي الذي عرض مساء أول من أمس ضمن مسابقة «آفاق جديدة» في مهرجان أبوظبي السينمائي، ولأن لا ظل للبحر على الأرض يبقى البشر الذين يعيشون بجواره وعلاقتهم الإنسانية، انعكاس أقرب لذلك الظل، بمشاعرهم وبيئتهم وبيوتهم وعاداتهم وحتى رومانسيتهم تجاه كل الأشياء، فهل استطاع كاتب السيناريو محمد حسن أحمد ترسيخ هذه الرؤية في إطار علاقة القديم بالجديد، وهل تمكن مخرجه نواف الجناحي من الوصول إلى شاطئ الأمان بالفيلم الذي يعد ركيزة لأعمال مقبلة قد تسير على الدرب نفسه؟، أسئلة ومحاور كثيرة تحتاج إلى إجابات واضحة، حتى لا تبقى معلقة مثل قصة حب منصور وكلثم الصامتة في «ظل البحر»، والتي وصلت إلى نهاية مفتوحة.
السينما الإماراتية
يأتي فيلم «ظل البحر» عقب عامين على انجاز مخرجه لفيلمه الروائي الطويل الأول «الدائرة»، والذي اعتبر من قبل النقاد نقطة تحول في مسار السينما الإماراتية، وشارك فيه بالعديد من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية، ثم أعقبته أفلام متنوعة لأقرانه من المخرجين والمخرجات الإماراتيين، والتي حازت إعجابا نقدياً وحضورا واسعا من الجمهور. واللافت للانتباه أن نسبة كبيرة من تلك الأفلام كتبها محمد حسن أحمد مؤلف «ظل البحر»، ما يجعل من تجربة هذا الفيلم جديرة بالمتابعة في ظل حراك مستمر ودائم لتأكيد الحضور الإماراتي في هذا المجال، كما أن هذا العمل هو أول إنتاج محلي لشركة إيمج نيشن أبوظبي، ونجاحه يعني مزيدا من الأفلام التي يمكن لها أن تصل إلى صالات السينما الخليجية، بعد أن تم الإعلان عن طرح «ظل البحر» في صالات السينما المحلية 17 نوفمبر المقبل.
محور الفيلم
في مدة الفيلم التي تصل إلى 98 دقيقة، تروي أحداثه قصة شاب وفتاة إماراتيين ينشآن في حي صغير قرب البحر ويدخلان في رحلة لاكتشاف الذات، تتخللها عثرات التقاليد والعادات الاجتماعية، منها ما هو متمثل في سلوك الأب نتيجة لموت الأم، وعدم مراعاته لابنتيه كلثم ومريم، ومنها ما يكرس لمعاناة بعض الأسر، مثل أسرة منصور، بعد تعرض عائلها لإعاقة تمنعه من ممارسة أن يكون مسؤولا عن القيام بواجباته، بخلاف الارتباكات الحاصلة لمرحلة المراهقة وتضاربها في أكثر من اتجاه عاطفي، والغوص في براءة البدايات الأولى لإدراك معنى الانفعال والحرية.
لمسات المخرج
بدت الصورة المنجزة في فيلم «ظل البحر» أكثر نضجا ولمعانا، وترجمت خبرة مخرجه نواف الجناحي الذي استطاع نقل التفاصيل الصغيرة، وأجاد فهم الأبعاد النفسية لشخصيات فيلمه، ونجح في قيادة ممثليه إلى مناطق ثرية، كانت تحتاج إلى بعد درامي أكثر وضوحا على الورق المكتوب، وأجاد في الابتعاد عن سوداوية بعض المشاهد، إن لم يفلت منها في مشهد إقبال كلثم على الانتحار، وكانت لمساته في اللقطات الرومانسية تعكس عشقه للبراءة وللأماكن والشوارع القديمة، بعيدا عن تعقيدات الحياة الحديثة وصخبها وقسوتها.
بصمة الكاتب
وعلى الرغم من أن المضمون الدرامي لـ«ظل البحر» معروف واستهلك تداوله كثيراً في الصناعة الفيلمية على الساحة العربية والعالمية، إلاّ أن بصمة الكاتب محمد حسن أحمد منحته شيئاً من الخصوصية للبيئة المحلية، لكن وضح في مشاهد عديدة مطب تحويل القصة من فيلم قصير إلى عمل طويل، فأدى ذلك إلى مط الأحداث من دون أن تبنى خطوط فرعية تقوي من دراما الفيلم في مجمله أو تؤكد محاور الشخصيات الأخرى.
فلم نعرف لماذا ظهر «شاهد» الحلاق الهندي شريرا، وكان أداء علي الجابري من التميز ليبرزه رغم مشاهده القليلة التي ظهر فيها، ولم نتيقن حقيقة سر قسوة والد كلثم عليها، ولم يتقبل الجمهور فكرة أن يكون موت الأم هو السبب، وكان غريبا مشهد إقدام كلثم على الانتحار، وبدأت الاستنتاجات حول تعرضها لجريمة تحرش في صغرها اعتمادا على خوفها بشكل عام من الرجال.
وذلك في الوقت الذي تعيش فيه مشاعر علاقة حب جميلة مع منصور، والسؤال الأهم لماذا ابتعد منصور عن كلثم وتوجه بعواطفه لمن هي أكبر منه وسبق لها الزواج، وإن كانت الإجابة المقتضبة تتجه إلى مرحلة المراهقة، فكانت هناك مساحات في الفيلم يمكن أن تدفع إلى ذلك ولم تظهر، لكن تبقى مقدرة محمد حسن احمد وهي سر إبداعه على تحويل الحكايات البسيطة إلى أعمال تلفت الانتباه وتسعى دوما لتفعيل صناعة الأفلام في منطقة الخليج.
جمال اللقطات
ورغم الثغرات الخفيفة السابقة، يحسب لكاتب السيناريو والمخرج تأكيدهما نجومية نيفين ماضي كلثم، التي تزداد وهجا من عمل إلى آخر، وحيوية عمر الملا منصور وعدم اقترابه من منطقة الممثل نواف الجناحي، وظهور أحمد إيراج في أفضل حالاته، وأيضا مشهد النهاية المفتوح على كل الاحتمالات، ومنها عمل جزء ثان قد يجمع الحبيبين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا، ولا يمكن إهمال جمالية اللقطات في «ظل البحر» التي كانت عنصرا مؤثرا ساعد على نقل الماضي بفسحته وراحته بعيدا عن زخم العمران الحديث الإسمنتي، الذي اخفى وراءه وبداخله زمنا جميال ولى ولم تبق منه سوى الذكريات.
فيلموغرافيا
بلد الإنتاج ـ الإمارات، 2011
جهة الإنتاج ـ إيمج نيشن أبوظبي
تصوير ـ باولو أريش
مونتاج ـ توني روثنام، راؤول سكويكز
الموسيقى التصويرية ـ إبراهيم الأميري
إنتاج ــ رامي ياسين، دانييلا تالي
سيناريو ــ محمد حسن أحمد
إخراج ــ نواف الجناحي
