سياحة

«السيرك القومي» مملكة الضحك وتسالي الرعب

«في العالم المملوء أخطاء.. مُطالَبٌ وحدك ألا تخطئ»، هذا هو القانون العام لدنيا هذا المكان الصغير الكبير، فلو خرج مروِّض الوحوش عن النص فقدَ حياته في فم أسد، ولو اختل اللاعب فوق الحبل سقط في هوة سحيقة من الكسور إذا كُتبت له بقية حياة.. إنها المملكة التي تُضحك بالبهلوان الحزين.

وتُسلّي الجمهور بعد تدريب شاق ممل.. مملكة من الإثارة والرعب والحيوانات المفترسة والكائنات الوديعة جنبًا إلى جنب في «السيرك».. تعالوا بنا نتعرف إلى هذا العالم المثير، الذي يمتزج فيه الضحك بالدموع.مع بداية القرن العشرين كانت فِرق السيرك عائلية ومتناثرة في كل مكان لا يحكمها عرف ولا تتبع تقاليد، وكان كل مسؤول عن هذه الفرق يحاول كسب جمهور بطريقته، إلى أن استحوذت أربع عائلات على نصيب الأسد من الجماهيرية، وهي عائلات «الحلو»، «عاكف»، «ياسين»، و«راشد»، ثم ما لبثت أن اندثرت فرقتان وحققت الأخريان نجاحًا ملحوظًا إلى ما يقرب من نصف القرن، هما «الحلو» و«عاكف».

لكن لاحظت وزارة الثقافة في نهاية الخمسينيات أن الفرقتين تعرضتا لمشاكل مادية وتنظيمية جسيمة أوشكت أن تقضي عليهما، فقررت أن تجعل عروضهما موسمية مرتبطة ببعض المناسبات فقط عن طريق الانتقال من مكان إلى آخر.

وأصبح كل سيرك مختصًّا بألعاب تختلف عن الآخر، ومع تأسيس مركز الفنون الشعبية العام 1957 قررت الحكومة المصرية أن تضع نواة لإنشاء «السيرك القومي» لإحياء فنون السيرك التي كادت تنقرض.

الحلو وعاكف

كانت زيارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفييتي في نهاية الخمسينيات بداية حقيقية للسيرك القومي، فقد وضع ناصر ضمن برنامج زيارته إلى موسكو مشاهدة السيرك القومي هناك، حيث كان يخطط لتنفيذ النموذج نفسه في مصر.

وعند إنهاء زيارته وعودته إلى القاهرة اجتمع بعبد القادر حاتم، وزير الثقافة آنذاك، وقرر البدء فورًا في إنشاء السيرك القومي المصري، وتم اختيار منطقة العجوزة بمحافظة الجيزة.

واستمر إنشاؤه أربعة أعوام كاملة، ثم أُسندت إدارته في البداية لمدة 6 أشهر فقط ل«أحمد صفوت كمال»، وبعدها تولى «عبدالفتاح شفيق» الذي شهد السيرك القومي في عهده نهضة كبيرة وحصد الكثير من الجوائز بعد أن استطاع أن يجمع ألعاب عائلتي «الحلو» و«عاكف».

حيث انضمتا معًا وأصبحت الفقرات المقدمة للجمهور تضاهي أفضل عروض السيرك العالمية، ثم تولى إدارته بعد ذلك 8 مديرين آخرهم «محمد حسن أبو ليلة».

سيرك الجليد

كانت فاتن الحلو، مدربة الأسود الشهيرة، قد فكرت في إضافة فقرات جديدة للسيرك القومي، فاستعانت بسيرك الجليد لأول مرة في مصر وذلك من خلال دعوة أشهر الفنانين المتخصصين في هذا المجال بموسكو.

حيث يأتون لتقديم فقرات استعراضية بين الحين والآخر ويقومون بتدريب بعض الفنانين المصريين على هذا النوع من الألعاب الذي يلقى رواجًا بين الفئات العمرية المختلفة، خاصة أن هذا النوع من الألعاب ينتشر في معظم الدول الأوروبية، إلا أن عددًا كبيرًا من المصريين يشاهده لأول مرة خلال فقرات السيرك القومي.

وبدأ السيرك القومي يلقى كل الدعم من الدولة، فارتفعت عدد فقراته من 8 إلى 45 فقرة، منها الحيوانات المفترسة، ثم الفيلة التي غابت حاليًا، الخيول، فقرة الكلاب، الترابيزة وألعاب الهواء، الأكروبات، الألعاب الخطرة، فقرة الساحر، والكلاب والقطط التي تقفز من الحلقات النارية، وهذه العروض تشهد رواجًا كبيرًا لدى جمهور الدول العربية الذي يزور مصر صيفًا.

وتعد فقرة الأسود والحيوانات المفترسة هي الأشد خطورة على الإطلاق، خاصة بعد تعرُّض فاتن الحلو، مدربة الأسود، لهجوم من أسد كاد يقتلها لولا تدخل حراس السيرك، كما تقوم مدربة أخرى هي «لوبا الحلو»، أصغر مدربة أسود، بتدريب الأسود على بعض الفقرات التي تتسبب في العديد من حالات الإغماء بين ضعاف القلب، حيث تجبر الأسود على القفز من داخل النيران وتأمرهم بالرقص والتمايل وكأنهم يفهمون لغتها.

ومن بين الفقرات التي تدعو للضحك فقرة المطبخ التي يقدمها الفنان «إيهاب وصفي»، والتي تعلمها في الصين على أيدي أحد المتخصصين في فقرات المُهرِّج، حيث يقوم بوضع إناء كبير ممتلئ بالماء ويظهر منه الدخان وكأنه يطهو طعامًا تتصاعد منه الأبخرة.

وفي النهاية يتضح أن الإناء فارغ بعد دعوة أحد المشاهدين لوضع يده في الإناء لاستخراج الطعام، بالإضافة إلى العديد من الفقرات المضحكة.

ثعابين لويزا

وتستطيع الفنانة «لويزا حكيم» التلاعب بعواطف الثعابين الشرسة وكبيرة الحجم، حيث تقدم أصعب الألعاب من خلال إحكام السيطرة عليها، ورغم ذلك تعرَّضت لمشاكل أكثر من 13 مرة على مدى تاريخها في السيرك القومي الذي يصل إلى 15 عامًا.، وكان أصعبها قيام أحد ثعابين إفريقيا بإحداث جرح غائر في شفتها بعد أن همَّ بابتلاعها.

وقد شهد السيرك القومي عشرات الحوادث المماثلة راح ضحيتها كثيرون وكان أبرزهم «إبراهيم الحلو»، مدرب الأسود وزوج الفنانة فاتن الحلو، برغم أن عائلة الحلو لها خبرة في التعامل مع الأسود، إلا أن أحدها وجد أن الحالة المزاجية للمدرب غير منضبطة فمزَّقه في حادثة هي الأولى من نوعها.

حيث كان الأسد يضمر له نية سيئة بعد أن اعتدى عليه، فتربَّص به وانقضَّ عليه ومات الحلو بعد نقله إلى المستشفى بـ 3 ساعات فقط.

الأسد يصرع الحلو

وعن هذه الحادثة تقول فاتن الحلو: «إن العمل في السيرك لا يخلو من الخطر أو المغامرات، لذلك لا بد من ضبط الحالة النفسية للمدربين ومعرفة الحالة المزاجية للحيوان المفترس أيضًا، وهذا ما حدث مع زوجي فقد كان الأسد في حالة غير سليمة، لذلك خرج عن النص وقام بتمزيق إبراهيم الحلو».

تضيف: «لقد تعرَّضتُ أيضًا قبل سنوات لحادث مشابه عندما وضعت قطعة لحم في فمي ليأخذها الأسد، إلا أنه لطمني على وجهي، فأسرع سيد الحلو شقيق زوجي بضرب الأسد بالسياط وأنقذني من بين يديه بعد أن حاول افتراسي وهو هائج، وتمت السيطرة عليه بمساعدة الحراس».

وعن السبب في تقلُّب مزاج الأسد بهذا الشكل في هذه المرة أكدت أنه كان صائمًا منذ يومين في حين أنه يحتاج إلى 30 كيلو لحمًا في اليوم الواحد، حيث كان يعاني من مشكلة صحية ولم تتوقع أن حرمانه من الطعام سيجعل مزاجه بهذا الشكل.

ولم تكن هذه المرة الوحيدة التي تتعرَّض فيها فاتن لهذه المشكلة، حيث حاول أسد من بين ثلاثة أسود التهامها أثناء نومها على خشبة المسرح، ووزن هذه الأسود يصل إلى 1500 كجم.

اعتصامات

ورغم المعاناة التي يلقاها مدربو الأسود والنمور والمخاطر التي يواجهونها فإن مرتباتهم ضئيلة للغاية، وما زالت في ذيل مرتبات جميع القطاعات في الدولة، فيصل أجر العامل إلى 135 جنيهًا والمدرب يصل إلى 300 جنيه.

حيث دخل العاملون به في اعتصامات حول أجورهم، بالإضافة إلى اعتراضهم على تأجير السيرك للقطاع الخاص ليديره بمعرفته، علاوة على مطالبتهم باعتذار فاروق حسني، وزير الثقافة المصري، عما بَدَرَ منه من تصريحات مفادها أن السيرك «فن موالد».

لكن الغريب أن وزير الثقافة قرر أن يُخلي السيرك وينقله إلى مقر جديد بمدينة 6 أكتوبر، حتى يستفيد من قيمة الأرض التي أُقيم عليها، والتي يبلغ ثمنها مئات الملايين من الجنيهات، لكونها تطل على نيل القاهرة.

للاستفادة منها في إقامة فنادق ومنشآت سياحية، مبررًا ذلك بأن وضع السيرك الحالي في حي العجوزة لا يليق به، خاصة أنه يعاني من عدم النظافة، بالإضافة إلى تدهور منشآته، فضلاً عن انبعاث الروائح الكريهة بسبب ذبح الحيوانات لتقديمها إلى الأسود والنمور، بالرغم من اتفاق إدارة السيرك مع مورد لحوم لمنع الذبح في الداخل، وقد قامت الإدارة برفع سور السيرك حتى لا تهرب الحيوانات، إلا أن المسؤولين مصرّون على نقله.

خصخصة السيرك

وما زال الجميع في حالة قلق وخوف وترقُّب بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها السيرك القومي ما بين اعتصامات وإضرابات لم يشهد مثلها، معتبرين أنها مؤامرة تُدار لخصخصة السيرك، لكن اللافت للنظر أن مجتمع العاملين في السيرك يسوده التضامن في وقت الشدة لكون الجميع يتعرَّضون لخطر واحد، رغم أن الفقر هو السمة الأساسية لكل العاملين به.

وتتجلَّى الصورة الحقيقية للفقر على ملابس اللاعبين المتسخة وأدواتهم وأماكن تدربيهم غير الآمنة، علاوة على افتقاره سيارة إسعاف أو إطفاء، فالعلاج ما زال بالجهود الذاتية، لذلك مات الكثيرون من فرط الإهمال، وما زالت الدولة ترفض الإنفاق عليه لترميمه وتطويره، وتحاول نقله بدافع الحصول على الأرض وليس من أجل تحسينه.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

الأكثر شعبية

تابعنا علي "فيس بوك"

اقرأ أيضا

مجلة أرى

اختيارات المحرر