تشكيل

خلود الجابري ترسم لوحاتها بلغة الشعر وتنثر عليها موسيقى روحها

تعتبر الفنانة التشكيلية الإماراتية خلود محمد علي الجابري من المبدعات اللواتي سجلن بأحرف من نور حضورهن في المشهد التشكيلي الإماراتي منذ بداياتها الأولى، وقد تركت طيلة فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بصمة مميزة في المشهد الفني، فهي من جيل آمن بثلاثية الثقافة والفن والحياة لا باعتبارها مكسباً ذاتياً متفرداً- بل باعتبار أن هذه الثلاثية تعتبر جزءاً من رد الجميل والوفاء لأرض الإمارات الطيبة.

ومشروعاً إنسانياً يفلسف الوجود عبر الجمال ولغة الفن الراقية، وها هي تعود اليوم بعد غياب دام أكثر من 17 عاماً برؤى فنية تسعى للبحث عن الجمال عبر مسارات جديدة. ولدت التشكيلية خلود الجابري في زمن جميل وصعب وقاس وحميم؛ فأي تناقضات حملها ذلك الزمن، نعم؛ لقد كان قاسياً وصعباً من حيث المعيشة وصعوبة الحياة والفقر، ولكنه كان جميلاً بتلك الروح الإنسانية التي كانت تربط أبناء الإمارات والساكنين فيها بروابط المحبة، والفطرة النقية التي لا تشوبها شائبة من أطماع الدنيا، وكان جميلاً ببساطته وأريحية الناس فيه، تقول خلود الجابري: «لقد تخرجت كغيري من مبدعي الإمارات- من مدرسة «زايد الخير».

ومن زمانه الذي أهدى البشرية وأبناء الإمارات أجمل ما يقدمه حاكم لشعبه وللناس المقيمين على أرضه»، ولقد كان لتوجه باني الوطن يومها «رحمه الله» في دعم المرأة في الإمارات ومنحها حقوقها ومساعدتها في التعلم وإظهار مواهبها؛ بالغ الأثر في تكوين شخصية خلود الإنسانية والفنية لاحقاً، فصارعت المكان وتحدت المستقبل مراهنة على إبداعها الفطري الكامن.وهي تقول في ذلك: «لقد منحني بلدي ما لم تحظَ به أي امرأة في العالم»، فشاركت في التأسيس الأول لجماعة أصدقاء الفن التي نظمت أول معرض للفن التشكيلي الإماراتي عام 1984م ليشكل انطلاقة حقيقية للفن التشكيلي الإماراتي رغم ما سبقه من إرهاصات.حين تشاهد لوحات خلود الجابري بجميع مراحلها ومحطاتها؛ فأنك لا بد أن تلحظ الكائن الأجمل والأهم في تلك اللوحات «المرأة» التي تفلسفها وتؤنسنها الجابري لتمسي الكائن المتفرد الذي يمنح الخلود لما حوله من كائنات، ويغدق العطاء كالشجر دون حدود أو انتظار مقابل، إنها المرأة بجميع مساراتها في الحياة: شامخة- صبورة- عاشقة- حالمة- منكسرة من الداخل لكنها تبقى مشرعة أجنحتها للطيران في فضاء الحرية، والمرأة في لوحات الفنانة تجسد برمزية واقعاً يميل إلى اجتراح أسطورة الخلق والوجود.

فالمرأة تبدو من حيث التكوين ممشوقة القوام طويلة العنق في إشارة دلالية- إلى الشموخ، محيطة بما حولها من تكوينات لا العكس- فهي تحيط حتى بالبيت الذي تظهر مقترنة به كشجرة غاصت جذورها إلى باطن الأرض، وخلود في جميع الإحالات التي اشتغلت عليها في كائن المرأة؛ استطاعت أن تترك حيزاً واسعاً من الغموض الندي الذي يحاكي المتلقي بهمسات خفيفة لسبر أعماق تلك الأسرار.

أما موضوعات لوحات خلود فهي تندرج في مسمى «التحولات الإنسانية» فهي حتى برصدها لحركة الحياة القديمة في الإمارات عبر لوحاتها، لم تدع تفاصيل المكان والكائن تقصيها عن الاهتمام بالأسئلة الإنسانية عن الحب والوجود والأمل والألم في تحولات الحياة، فنراها ترسم التراث بروح مغايرة تنأى عن الواقعية التصويرية لتدخل في أفق الرمزية والتعبيرية الدلالية غير مكترثة في بعض الأحيان بتفاصيل الكائن بقدر استغراق ألوانها بترميز الواضح والصريح وإعادة تكوينه مرة أخرى برؤية مغايرة.

ورغم الواقعية الواعية والرمزية التي اشتغلت عليها خلود وطغيان «موجة التجريد» في المشهد الفني الإماراتي الحالي؛ إلا أنها تحاول الاشتغال على منطقة من التجريد الواعي الذي يبتعد عن كونه «خربشات» و«طلاء لوني» ليس إلا، فهي في أعمالها الحالية تقترب من إيجاد فلسفة تجريدية حديثة تقوم على اللون ككائن رئيسي لا كإضافة أو مَعْلَم تكميلي للوحة.

بدأت خلود الجابري مشوارها الفني في ثمانينات القرن الماضي؛ دون «الاتكال» على رؤية تخص غيرها من فنانين ودون «الاتكاء» على مدرسة فنية بذاتها؛ فقد كونت لنفسها فلسفة فنية خاصة منذ البداية تعتمد على منح الريشة مطلق الحرية في التعامل مع الأفكار والأخيلة التي تراودها دون التقيد بقوانين المدارس الفنية التي ترى فيها سجناً يناقض مبدأ البحث عن الحرية الذي تتوق إليه روح كل مبدع، وتقول في ذلك: «إني أرى الفن أو اللوحة التي أرسمها من مبدأ أنها قصيدة لم استطع البوح بها كتابياً أو شعرياً، أو أنها قطعة موسيقية لم استطع كتابة نوتاتها، فتناولت الريشة والألوان لأعبر روحياً وفكرياً عنها، فأكوّن لوحتي بلغة الشعر وأنثر عليها من الموسيقى التي تكتنف روحي».

لعل من المفارقات التي واجهت خلود الجابري بعد عودتها للساحة الفنية هو «الانقلاب الذوقي» لدى العارضين والمتابعين النخبويين للفن التشكيلي، فقد اختفت التجارب الكلاسيكية من واقعية وانطباعية بل حتى سوريالية وتكعيبية- ليفرض ما يسمى بين الوسط النخبوي «التجريد الحديث» أو «الستايل المعاصر» أسلوبه على المشهد الفني الإماراتي، تمزح خلود وتقول بمرارة: «لقد تفاجأت برفض العديد من الجهات الفنية للأعمال التي تستند على الواقعية والطبيعة والسوريالية والانطباعية وطغيان «التجريد» الذي أتحفظ عليه كثيراً؛ في المشهد الفني، حتى أن بعض الفنانين الإماراتيين ممن يحترف الرسم ولم يناسبه هذا الأسلوب يشعر بأنه قادم من العصر الحجري، وأعتقد أن هذه المسألة يجب أن تناقش بعمق ولا تترك هكذا».

رغم المعارض والاهتمام الذي تبديه بعض المؤسسات تجاه التشكيليين الإماراتيين؛ إلا أن خلود الجابري تضع أصبعها على مواضع الجرح حين تتحدث بصراحة عن غياب الإداري المواطن عن تلك المعارض؛ وتقول في ذلك: «إن تسليم إدارة معارض الفن في الدولة لأشخاص ليسوا من أبنائها -ولكنهم محترفون- يمكن أن يكون مقبولاً.

ولكن أن تسلم إدارة تلك المعارض لأيدي أناس لا يفقهون من الفن أو التشكيل شيئاً، فذلك طامة كبرى، ويدخل الفنان التشكيلي الإماراتي في حوار طرشان مع أولئك «المتسلقين» للمشهد الفني وبعضهم لا يميز بين التجريد والواقعية ولم يقرأ كتاباً فنياً بحياته؛ فتكون النتيجة أن يُغمر الفنان الإماراتي ويظهر للوجود العشرات من الأسماء المغمورة في عالم الفن ممن تربطهم صلات وحسابات خاصة بإداريي المعارض الفنية».

لخلود الجابري رؤية خاصة تتعلق بإقامة المعارض الفنية نتيجة خبرتها الطويلة في هذا المجال مذ تسلمت إدارة المعارض في المجمع الثقافي أيام الثمانينات من القرن الماضي؛ فهي ترى بأن المكان الفخم الذي يقام فيه المعرض والبهرجة التي ترافق انطلاقه والعناوين الرنانة، لا تخدم الحركة التشكيلية في الإمارات ولا تقدم للفنان الحقيقي شيئاً، وتدعو خلود إلى إقامة معارض بسيطة.

بمعنى أن يتم العرض في أماكن مفتوحة أو أماكن عامة تكون قريبة من الجمهور الذي يهاب في بعض المرات الدخول إلى معارض تقام في أماكن فخمة، وتقول خلود: «يجدر بالمؤسسات المعنية في الدولة إن هي أرادت فعلاً أن تنشط الحركة الفنية التشكيلية- إقامة مراكز للفنون في الأحياء والمناطق السكنية داخل المدن، لتكون قريبة من الناس، وتكون قادرة على تدريب وتعليم وتخريج أجيال من المواهب المبدعة».

أبو ظبي- محمد الأنصاري

  • تويتر

تعليقاتكم

  • مهند نوناتي 22 فبراير 2012 02:27
    روعه خيتوووووو

أكتب تعليقك هنا

كل التعليقات خاضعة للمراجعة وسيتم نشرها بعد مراجعتها. يرجى العلم أن بريدك الإلكتروني لن يكون ظاهراً للقراء.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع البيان الإلكتروني ، الذي يُرحًب بالردود والرأي الآخر

الأكثر شعبية

مواقيت الصلاة

  • المدينة الفجر الشروق الظهر العصر المغرب العشاء
  • دبي 04:15 05:35 12:20 15:45 18:59 20:29

حالة الطقس

    • الخميس يوم مشمس يوم مشمس العليا: 30 ° الدنيا: 24 °
    • الجمعة يوم مشمس يوم مشمس العليا: 35 ° الدنيا: 25 °
    • السبت يوم مشمس يوم مشمس العليا: 37 ° الدنيا: 23 °

أكثر المواضيع إرسالاً على "فيس بوك"

اختيارات المحرر

  • صور مذهلة تظهر تحول دبي إلى "مانهاتن الشرق الأوسط"

    نشرت صحيفة الديلي ميل البريطانية في عددها اليوم صوراً لمدينة دبي قبل وبعد الطفرة المعمارية والصناعية، واصفة الإمارة بـ "مانهاتن أو شيكاغو الشرق الأوسط".

  • جزائري يحمل زوجته على كتفه منذ سنوات

    يحمل الجزائري سليم رخروخ، هموم الدنيا كلها ومعها بدن زوجته المريضة منذ خمس سنوات بعدما وجد نفسه مجبرا على حملها على كتفه طوال الوقت ويقلبها ذات اليمين وذات الشمال ويحضر لها الطعام بمفرده ويغسل لها ثيابها ويقضي لها حاجتها،

  • "أويمياكون" المتجمدة نبض حياة وسط الصقيع

    "أويمايكون" هي قرية صغيرة تقع في قلب سيبيريا، شمال شرق جمهورية ساخا بـ(ياقوتيا) في روسيا، وتعتبر أبرد مكان مأهول بالسكان على وجه الأرض. وتلقب المدينة بـ "حلقة ضحايا ستالين".

  • عراقي يقتل أم أولاده أمام اثنين منهم

    روت صحف نيوزيلندا اليوم الاثنين تفاصيل وحشية عما جرى في مسرح جريمة تضرج بدماء عراقية قتلها زوجها أمام اثنين من أبنائه منها وسط موسيقى صاخبة تعمد وضعها من موقع "يوتيوب" كي لا يسمع الجيران صراخها.

  • "المرأة الحديدية" تضرب عن الطعام منذ 12 عاما

    عندما يقوم شخص مشهور، مثل رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة يوليا تيموشينكو بإضراب عن الطعام، ينتشر أمره في جميع أنحاء العالم ، ولكن إيروم شارميلا تشانو، هي امرأة عادية من الهند، مضربة عن الطعام منذ 12 عاماً.

  • أقدم مدينة لناطحات السحاب في العالم يمنية

    تشتهر مدينة شبام، الواقعة وسط المنطقة الغربية لمحافظة حضرموت، في صحراء رملة السبعتين بناطحات السحاب الشاهقة المبنية من الطين وتعتبر "أقدم مدينة لناطحة السحاب في العالم".

  • "بريندون" صحافي يملك جزيرة استوائية بأكملها

    بريندون جيرمسي البالغ من العمر (86 عاماً) هو رئيس تحرير سابق لإحدى الصحف ويعمل أيضا محرراً في أكبر الصحف في إفريقيا، قرر عام 1972 شراء جزيرة "موايين Moyenne " الاستوائية،

  • حفل غنائي يتحول إلى حريق يلتهم 140 شخصاً

    تحول حفل غنائي أقامه الحزب الجمهوري في العاصمة يريفان الأرمينية الجمعة الماضي إلى كابوس بعد ان احترقت بالونات معبأة بغاز الهيدروجين وسط الجموع متسببة في حرق 140 شخصاً.

  • مسجد الفاروق .. الجامع الأزرق في دبي

    يعد مسجد الفاروق عمر بن الخطاب في منطقة الصفا بدبي أكبر مسجد في الإمارة، صمم على الطراز العثماني على مساحة ثمانية آلاف و700 متر وهو يحاكي مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية المعروف بالمسجد الأزرق.

  • ماذا لو أصبحنا جميعنا لولوه!

    انتشر مؤخرا على موقع اليوتيوب فيديو بعنوان "لولوه تصنع الابتسامة"، لعله أرق وأعمق الفيديوهات مضمونا، إذ يصور الطفلة الكويتية "لولوه المجيبل " التي أحبت مساعدة الآخرين.

أحدث فرص العمل

المزيد من الوظائف في البيان