قصة الأيام الأخيرة لـ"ريا وسكينة" قبل الإعدام

17 سيدة اختفت في مدة قصيرة.. هو الحدث الجلل الذي شغل الرأي العام السكندري في بداية عشرينيات القرن الماضي، إلى أن تمكن البوليس من ضبط كل من «ريا وسكينة» ومن عاونهما وتقديمهم للمحاكمة، التي انتهت بإعدامهم في 1921.

بعد ذلك التاريخ أصبحت قصة «ريا وسكينة» مادة خصبة يستغلها المؤلفون لكتابة الأعمال السينمائية والدرامية ما بين الجد والهزل، أما على أرض الواقع فعالجت مجلة «المصور» في عددها الصادر بتاريخ 9 فبراير 1953، وفق المنشور بموقع «المدى العراقي»، القضية بشكل مختلف، وأجرت حواراً مع الضابط الذي حرس السيدتين في أواخر أيامهما قبل إعدامهما، ويُدعى اللواء محمود عمر قبودان.

وخدم الحارس وقتها في سجن الحضرة الذي استقبل «ريا وسكينة» مع أعوانهما، وهم «عبدالعال» و«عبدالعال» و«حسبو» و«شكير» و«عرابي» و«عبدالرزاق»، بجانب الصائغ الذي اشترى منهم حلي الضحايا.

«قبودان» كان في تلك الفترة ملاحظ السجن المكلف بحراسة أفراد العصابة، مشيرًا لـ«المصور» إلى أنه كان دائم التحدث إلى «ريا وسكينة» وبقية المتورطين وقتها.

بالنسبة لـ«ريا» كانت تروي له أن «زوجها محمد عبدالعال شاب قوي وسيم ودائم التأنق في ملبسه، ويطوف شوارع الإسكندرية بحثًا عن بنات الهوى والنسوة اللواتي ينقدن لوعود الشباب، بشرط أن يكن متحليات بالحلي الذهبي، ثم يدعوهن إلى الذهاب معه إلى بيته وهناك يعمد إلى خنقهن بمساعدة بقية أفراد العصابة».

وأكملت حديثها لـ«قبودان»: «كانت تلك الجرائم ترتكب بسهولة وبلا ضجة، وكنا نعتزم حمل جثث الضحايا بعيدًا عن الدار، ثم رأينا أن ذلك يعرض العصابة لخطر اكتشافها، فاقترحت حفر قبور للضحايا في بدروم الدار ودفن القتلى فيه».

أما «سكينة» فأخبرته بأن رجال البوليس كانوا في شغل شاغل عنهم، وبررت الأمر لإقدامهم على قتل الضحايا داخل المنزل التابع لهم، وهو الواقع خلف قسم اللبان، متهكمة: «لو أن أحد ضباط القسم أرهف سمعه قليلًا لسمع صرخات من كانت العصابة تقتلهن».

وحسب شهادته كانت الشقيقتان تتفاخران بما فعلتاه دون خجل، وكانتا ترددان أسماء ضحاياهما داخل محبسهما بشكل دائم، واعتبرت «ريا» أن اكتشاف البوليس جرائمهم جاء محض صدفة.

وتعود القصة إلى سيدة تُدعى فردوس الحبشية التي أرسلت ملابسها للكي في حانوت على مقربة من وكر العصابة، ولما أبطأ الكوّاء في تجهيز الملابس ذهبت إليه تستعجله، لكنها التقت بـ«ريا» التي دعتها إلى منزلها، لتلبي الدعوة ويقتلها الجناة ويدفنوها.

ومع اختفاء الفتاة توجهت والدتها إلى الكواء الذي أرشدها لمنزل «ريا»، لتخبر على إثره قسم اللبان الذي فوجئ رجاله بالعثور على جثة المفقودة مدفونة في البدروم مع جثث أخرى.

واستمرت أحاديث المتهمين مع «قبودان» إلى أن أصدرت محكمة جنايات الإسكندرية حكمها على «ريا وسكينة» ومعاونيهما بالإعدام شنقًا، أما بالنسبة للصائغ فعوقب بالحبس 5 سنوات.

وقبل تنفيذ الحكم عليهم كان لكل فرد كواليس رواها الحارس، وبدأها من «ريا» التي أرسلت السلطات ابنتها إلى أحد الملاجئ لعدم وجود من يعولها، وواظبت الصبية على زيارة والدتها التي كانت تقول لها: «أنتِ مش ناوية يا بنت تنشنقي بدال أمك؟».

وعن رد فعل الصبية يقول «قبودان»: «كانت الفتاة تظهر استعدادها للتضحية بحياتها، إذا كان في هذا إنقاذ لعنق أمها من حبل المشنقة»، بعدها أبلغته «ريا»: «شوف البنت طالعة شجاعة زي أمها إزاي؟».

وبما أن «ريا وسكينة» كانتا أول امرأتين يصدر بحقهما حكم بالإعدام اضطرت السلطات إلى صنع جلبابين لهما باللون الأحمر، وتم إعدام المتهمين على يومين، الأول شنق فيه الشقيقتين و«عبدالعال» و«حسبو»، وفي اليوم التالي أعدم «شكير» و«عرابي» و«عبدالرزاق».

وحضر الحارس بنفسه تنفيذ الأحكام، وروى أن «ريا» عندما دخلت غرفة الإعدام كانت تضحك متظاهرةً بالشجاعة، أما «سكينة» فنظرت إلى حبل المشنقة ثم إلى «عشماوي» التي قالت له: «يللا يا أخينا شوف شغلك قوام».

أما بالنسبة لـ«عبدالرزاق» فتم إعدامه بشكل درامي، وهنا يروي الحارس: «في اليوم المحدد لتنفيذ حكم الإعدام في عبدالرزاق نقلوه إلى الغرفة السوداء، فلم يكد يدخلها ويرى المشنقة حتى تملكته ثورة عنيفة، وانطلق هائجًا من الغرفة، وعبثًا حاول حراس السجن أن يعيدوه إليها».

واستطردت: «كانت قوته البدنية الخارقة تمكنه من التغلب عليهم والفتك بكل من يقترب منه، وكان في سجن الحضرة حينذاك أحد فتوات الإسكندرية المشهود لهم بالقوة والشجاعة واسمه (النجر)، فاستنجد به الحرس لينطلق كالوحش نحو عبدالرزاق، وراح يصارعه حتى تغلب عليه ثم حمله إلى الغرفة السوداء وشد وثاقه، وساعد عشماوي في تجهيزه على حلقة المشنقة إلى أن نفذ فيه الحكم».

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon