التكنولوجيا وتحقيق التقارب بين البشر

ينظر الكثير من العاملين في قطاع التكنولوجيا إلى ما تم إنجازه في العام الماضي من ابتكارات عظيمة، ويدرسون كيفية استغلالها في تحقيق تقدم مجتمعاتنا، بداية من السيارات والشاحنات ذاتية القيادة إلى تقنيات التعرف على الوجه، مروراً بالعلاج الجيني المتقدم.

وفي الوقت الذي يرى فيه الكثيرون أن التكنولوجيا مفيدة لمجتمعاتنا لما قد تحققه من نفع، بداية من الهواتف الذكية إلى المساعدة في المجال الطبي، إلا أنه يوجد القليل ممن لا يشاطرونهم الرأي نفسه ويرون أن لها جانباً سلبياً، وأستطيع القول بأن الكثير من التكنولوجيات خلقت مجتمعاً متفرقاً ومعزولاً ، يسمح للناس بنشر الكراهية والتحامل على بعضهم البعض وزيادة حدة الخلاف بشكل أسهل وفي الخفاء من خلف الشخصية الرقمية. حتى على منصات التواصل الاجتماعي التي تعد أفضل مصدر للأخبار العاجلة وأكثر مكان يستطيع فيه المستخدمون نشر آرائهم.

التنفيذي السابق في "فيسبوك" تشاماث باليهابيتيا قال أخيراً: إن دورات ردود الفعل التي يحركها الدوبامين تدمر المجتمعات، فلا يوجد خطاب مدني ولا تعاون وانتشر التضليل وإخفاء الحقيقة، وهذه ليست مشكلة أميركية فقط وليست بسبب الإعلانات الروسية، بل إنها مشكلة عالمية. وهو انتقاد قاس من تشاماث لمنصة تم تصميمها في الأصل من أجل الربط بين الناس. إلا أنه ولسوء الحظ، فإن تكنولوجيات مثل الهواتف المتحركة ووسائل التواصل الاجتماعي التي لديها القدرة على الجمع بيننا، تستخدم الآن لإذكاء التعصب والعنصرية والقبلية. فشخصياتنا الرقمية تخرج في كثير من الحالات أسوأ ما فينا.

وبالنظر إلى عام 2018، فإنني أرى علامات تدل على أن التكنولوجيا يمكن أن تبدأ في التقريب بيننا وليس زيادة الفرقة. وقد يبدو الأمر متناقضاً، إلا أنني أعتقد أن التكنولوجيا يمكن أن تشكل عنصراً أساسياً في زيادة الاتصال بين البشر، والتي هي في نهاية المطاف الطريقة الوحيدة التي ستساعد على حل الخلافات التي تفرق بين الكثير من الناس حول العالم. فالفرصة في أن يصبح الإنسان وقحاً في المواجهات الحقيقية تقل عن مثيلاتها على الإنترنت، لذا فإن ربط شخصياتنا الحقيقية مع شخصياتنا الرقمية أمر أساسي لتحقيق التواصل بين الناس.

وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعمل في قطاع التكنولوجيا التي تشجع على التعاون، أرى هذا التحول يبدأ في مكان العمل، على عكس العديد من اتجاهات التكنولوجيا التي تحركها النزعة الاستهلاكية.

فجيلي الألفية وما بعد الألفية يفضلون التعاون مع الزملاء لحل مشاكل العمل، وهو ما يختلف عن ميول الأجيال الأخرى التي غالباً ما يفضل أفرادها العمل بمفردهم. وبدخول هذه الأجيال القوى العاملة في الشركات، دفع هذا السلوك توجهات مثل مشاركة النجاح داخل مساحات العمل.

وأرى أماكن العمل المشتركة هذه في كل زاوية أخرى في كل مدينة رئيسية أسافر إليها من نيويورك إلى دبي وسان فرانسيسكو ولندن وسنغافورة. وتسعى الأجيال القادمة إلى العمل في بيئة تعتمد على المشاركة والتعاون، حيث يعملون على مشاكل العمل أثناء تجمعاتهم الاجتماعية.

وهو ما يبدو مثالياً بالنسبة لي. وعلى الصعيد العالمي، فإن الجمع بين الناس بالطريقة نفسها باستخدام التكنولوجيا كعامل للجمع وليس للتقسيم، سيصبح تحولاً كبيراً في كيفية تعامل مجتمعنا مع الكثير من المشاكل والانقسامات التي لدينا اليوم، فالتواصل المباشر بين البشر، هو العلاج الوحيد لهذا الانقسام، لقدرته على إخراج أفضل ما في الناس.

ونشهد ذلك بالفعل في قاعات المؤتمرات وأماكن العمل في جميع أنحاء العالم، حيث يستخدم الناس التكنولوجيا ليتقاربوا بشكل أكبر، وآمل أن يمتد هذا بسرعة إلى السياسة والمجتمعات والمنظمات الدينية.

ومن أفضل أمثلة قدرة التكنولوجيا على تقريب البشر، من عملائنا في ألاسكا. وهما أستاذان للتاريخ في إحدى المدارس الواقعة في منطقة نائية في ألاسكا، يستخدمان مؤتمرات الفيديو للتواصل مع طلابهما وربطهم بالطلاب الآخرين والمعلومات العلمية وخدمات الرعاية الصحية والحكومة والخبراء العالميين من جميع أنحاء العالم، ويعمل هذا النهج المبتكر في التدريس على جعل الطلبة يطلعون على وجهات نظر جديدة ومهن محتملة وثقافات مختلفة.

وهذه هي أنواع العلاقات الجيدة، والتي تساعد على تأسيس روابط إنسانية إيجابية مبنية على التكنولوجيا بين أناس لم يتقابلوا أبداً. وآمل أن تستخدم التكنولوجيا في العام 2018 لفتح أبواب الحوار ومعالجة الخلافات وجمع الناس والتقريب بينهم. وهو ما سيساعدنا جميعاً على الخروج من عزلة شخصياتنا الرقمية الموجودة على الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية. وهو ما أتطلع له شخصياً.

* الرئيس التنفيذي لشركة بوليكو

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon