تختتم «البيان» ملف الذكرى الخامسة على اندلاع الأزمة المالية العالمية بمقالة كتبها جيم أونيل، رئيس مجلس إدارة غولدمان ساكس لإدارة الأصول ويرصد فيها تاريخ الأزمة وحاضرها والتحديات التي لا تزال حاضرة في أفق اقتصادات مناطق عدة من العالم باستثناء بعض الأوساق وفي مقدمتها الإمارات التي كانت صاحبة السبق في مواجهة تداعيات الأزمة والتعافي من آثارها وبدء صفحات مشرقة من النمو.

يقول أونيل في وجهة نظره: في يوم الخميس 9 أغسطس مرت الذكرى الخامسة لليوم الذي اكتشفنا فيه أن شيئاً ما يسير على غير ما يرام في النظام المالي.

واضطر البنك المركزي الأوروبي إلى ضخ سيولة طارئة، ومنذ ذلك الوقت لم نعد ننعم بأغسطس كشهر إجازة كامل. مرت الذكرى بهدوء ملحوظ، ولكننا ما نزال في الثلث الأول من الشهر (مع الإشارة إلى أنني كتبت هذه الكلمات في 10 أغسطس 2012)، وبالكاد يمكننا توقع استمرار هذا الهدوء، خاصة أن أشهر سبتمبر وأكتوبر السابقة التي مرت منذ ذلك الحين حتى اليوم (وفي أزمات ماضية أيضاً) لا يمكن أن توصف بأنها هادئة.

لقد فكرت في أن أعود بذهني هذا الأسبوع إلى تلك الذكرى لعقد بعض المقارنات بين الوضع الذي وصلنا إليه والوضع الذي كنا عليه في أغسطس من العام 2007، في الوقت الذي أشير فيه إلى أهم أخبار الأسبوع.

أزمة

في الأيام التي سبقت حلول هذه الذكرى الخامسة، بدا المزاج العام أكثر قتامة مع تصاعد الدلائل على أن الاقتصاد العالمي، قد فقد زخمه، من جديد. وفي هذه الصورة، نجد اقتصادات قوية سابقا مثل الصين والهند تتباطأ بأكثر مما كان يعتقد بصفة عامة وربما بأكثر مما كان يرغب فيه (بالرغم من أن بعض ما يسمى بالاقتصادات الناشئة، مثل أجزاء كبيرة من إفريقيا وحتى إندونيسيا، لم تظهر أي دلائل تباطؤ، على الأقل حتى الآن حيث أعلنت إندونيسيا عن تحقيق نمو سنوي بمعدل 6.4% في الربع الثاني من العام).

أما الاقتصادات الغربية التي كانت قد حاولت تحقيق مزيد من التوسع في التعافي والعودة إلى نشاطها الطبيعي فيما بعد مرحلة الركود فقد تراجعت، بينما عادت بعض الاقتصادات الغربية الأخرى، خاصة في أوروبا، إلى مرحلة الركود .

ومقارنة بحالها قبل 5 سنوات مضت، لا تعطي مؤشرات الرخاء الاقتصادي المقبولة على نطاق واسع مثل النمو الحقيقي في إجمالي الناتج المحلي ومعدل البطالة- قراءة مطمئنة. ولذا سأحاول وضع هذه المؤشرات في منظور أوسع في الأسطر التالية، ولكن تظل خيبة الأمل بشأن هذه المؤشرات مهيمنة على الإدراك العام، خاصة في الغرب .

في الأعوام 2004 و 2005 و2006، حقق العالم نمواً بمعدل 4.6 و 4.4 و 5.0 % على الترتيب. وفي العام 2007، ارتفع النمو إلى 5.2%. وبدأ الجميع يتقبل فكرة أن العالم مقبل على فترة نمو ذهبية ساعد عليها ظهور الدول الأربع الناشئة التي عرفت اختصارا بدول "بريك" (وهي البرازيل، وروسيا، والهند، والصين) وتوقع الناس أن يتواصل النمو بمعدلات تتراوح فيما بين 4 و 5% لمدة طويلة.

ولكن في الحقيقة، خلال الأعوام الخمسة التي انقضت منذ نهاية العام 2007، سجلت معدلات نمو الاقتصاد العالمي الأرقام 2.5 و -0.7 و 5.0 و3.8 % بمتوسط نمو 2.25%. والإجماع منعقد على أن عامي 2012 و2013 سيشهدان معدلي نمو 3.2 و 3.8%. هذه الحقائق جعلت المحللين والمعلقين في حيرة يتساءلون عما إذا كان اتجاه النمو العالمي قد انخفض بصفة دائمة، وعما إذا كان العالم قد حقق فعلاً معدلات 4 و5 في المئة السابقة، أم أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً نسبياً قبل أن نعاود الارتفاع إلى معدلات 4 و5 % مرة أخرى.

وبالطبع فقد كان معدل النمو العالمي السلبي في العام 2009 نتيجة الضعف في اقتصادات غربية كثيرة، وبالمثل فإن خيبة الأمل المستمرة منذ ذلك العام هي نتيجة مشكلات يمر بها الغرب.

ففي العام 2004 وحتى العام 2006، بلغ النمو الحقيقي في إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات المتقدمة 3.1 و 2.6 و3.0 % على التوالي، وسجل نحو 2.8% في العام 2007. ولكن منذ ذلك الحين، شهدنا معدلات نمو لا تتجاوز 0.1 و -3.4 و 2.9 في المئة، وصولاً إلى 1.6% في العام 2011، وذلك بمتوسط لا يزيد على 0.3%. والتوقعات مجمعة على أن عامي 2012 و2013 سيحققان معدلي نمو 1.4% و1.7% وهما بالطبع يقلان كثيراً عما شهدته هذه الدول من قبل في الفترة الذهبية، وإن كانا لا يزالان أفضل من متوسط النمو المحبط الذي سجلته تلك الاقتصادات في الأعوام الأربعة الماضية.

البطالة،

وعندما نتحول إلى مؤشر التوظيف ومعدل البطالة، وباستثناء واضح لحالة ألمانيا، ارتفعت البطالة بشكل ملحوظ في معظم الاقتصادات الغربية الكبيرة. بينما انخفضت البطالة في ألمانيا فعلياً بشكل ملحوظ منذ العام 2007، ولكنها ارتفعت في الولايات المتحدة من حوالي 4.6% في العام 2007 إلى ما فوق 8% اليوم (بالرغم من هبوطها عن مستوى الذروة)، وفي منطقة اليورو ارتفعت البطالة من 7.6% إلى حوالي 11 %. ومع استمرار التحديات التي يواجهها النظام المالي، تفسر كل هذه الأرقام قتامة المزاج العام.

وفي ظل مشاكل كبيرة مثل العجز المالي وارتفاع مستويات الديون، ومع ميل معظم السياسات النقدية في الدول المتقدمة إلى إظهار درجات ملحوظة من الدعم، على الأقل بالمعايير الحديثة، فكيف يمكن للمستقبل أن يبدو أكثر إشراقاً؟

في المملكة المتحدة. بنك إنجلترا المركزي يجسد المزاج العام. هذا اللون من المزاج القاتم اختصره هنا في المملكة المتحدة هذا الأسبوع "تقرير التضخم" الأخير الصادر عن بنك إنجلترا المركزي وتوقعات البنك المعدلة بشأن الاقتصاد.

فقد نجح هذا التقرير في التنافس فعلياً مع أخبار الأولمبياد للاستحواذ على التغطية الإعلامية، وهو ما يعني الشيء الكثير في ضوء الاهتمام الذي لقيه هذا الحدث الرياضي الرائع الممتد على أسبوعين.

فبغض النظر عن الانخفاض الكبير في توقعات البنك بشأن النمو الفعلي للناتج المحلي في العام 2012 إلى 0%، فقد خفض البنك توقعاته أيضاً بالنسبة للأعوام المقبلة، وأصبح لا يتطلع لأكثر من معدل نمو 2.1% بعد عامين، بعد أن كانت هذه التوقعات 2.6% في مايو، و3.4% في بداية العام. وفيما بدا عرضا مثيراً للكآبة تماماً، أوضح كبار مسؤولي البنك توقعاتهم بشأن المستقبل بأمانة وفي جو من الارتباك في الوقت ذاته.

يبدو أن ضعف الإنتاجية الواضح، كما تشير البيانات المذكورة في التقرير، أقنع البنك بأن ينظر إلى المستقبل بصورة أقل وردية على الدوام، بالرغم من أن البعض أوضح أن لديه نوعاً من الثقة، وإن كانت ضعيفة (من الأهمية بمكان أن نلاحظ أن هذا الإدراك بشأن الإنتاجية يختلف عنه في الولايات المتحدة، حيث المؤشرات مشجعة أكثر). وبالتوافق مع الإشارات المتكررة حالياً إلى الويلات التي تجلبها منطقة اليورو علينا، فقد أعطى البنك في الأساس انطباعاً بأنه لم يعد يعتقد أن بإمكانه المساعدة في دفع عجلة النمو لترفع مستوياتها على الإطلاق.

وبالطبع، كما ألاحظ ومعي كثيرون آخرون، فإن درجة الضعف الحقيقي في الاقتصاد البريطاني، وبمختلف الاحتمالات، تشهد مبالغة بشأنها بسبب نوعية البيانات الرديئة المتوافرة، وسأستمر في الاعتقاد في أننا سنكتشف في السنوات المقبلة أن هذا الضعف لم يكن بهذه الدرجة من السوء التي يبدو عليها. وبالطبع، إذا كنتَ مسؤولاً عن وضع السياسات، فلا يمكنك طرح مثل هذه الفرضيات.

سؤال

بعض المشاكل هل هي ذاتية السبب؟ خلال الأسبوعين الماضيين، بدأ عقله يركز أكثر على بعض القضايا المتعلقة بتدفق الأموال وترتبط بالمالية، في سياقها الذاتي وأيضاً في سياق سياسات التيسير الكمي هنا في المملكة المتحدة وفي أماكن أخرى، يبدو لي أن صانعي السياسات ربما ارتكبوا خطأ كبيراً ويحتاجون إلى دراسة متغيرات مهمة.

فالسياسات التنظيمية التي تواجه شركات التأمين وصناديق التقاعد تطورت في العقد الأخير بما يشجع على استخدام علامات التقييم ذاتها التي تستخدمها البنوك في الإشارة إلى آليات المحاسبة في السوق، وعلى تبني سياسات شجعت تلك الصناديق على شراء أصول أقل مخاطرة وأصول أكثر أماناً. وهذا يعني، بالأساس، سندات حكومة بلدهم ذاته.

وتداعيات الأعوام من 2007 إلى 2009، فضلاً عن كونها لم تشجع على أي محاولة لإعادة التفكير في الأمر، يبدو أنها قادت إلى معايير وقياسات إضافية لمتابعة هذا السلوك. فعلى سبيل المثال في أوروبا، أسهمت خطة "الملاءة 2" المقبلة والمكروهة على نطاق واسع، خاصة من جانب المتخصصين الذين أتحدث معهم، في تعزيز الاتجاه التنازلي.

وعليه، ففي وقت تُجبَر فيه البنوك على زيادة رأسمالها، وعلى الحد من عمليات إقراضها، وعلى تبني استراتيجيات أكثر حرصاً، فإن المؤسسات العريقة ذات النظرة طويلة المدى والأكثر ميلاً إلى الاتجاه الطبيعي، ليست في وضع يؤهلها للقبول بمثل هذه المخاطرة الزائدة.

وفي الحقيقة، فالمنظمون ربما حتى الآن يجعلون الأمر أصعب عليهم. وهذا الأسلوب يبدو خاطئاً، حتى قبل أن يفكر المرء في مسألة التيسير الكمي.

بالنسبة للبنوك المركزية التي تبنت سياسة "التيسير الكمي"، تحديداً في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، يتمثل أحد المقاييس المتصورة لنجاح هذه البنوك في أثرها على إيرادات سندات حكوماتها المحلية. ولكن في ضوء تدفق الأموال الذي ينشأ عن السلوك العام للمستثمرين الأطول مدى، يدفعني الأمر إلى المزيد من التساؤل والتعجب.

وخاصة في سياق "فجوة" صناديق التقاعد والسؤال المربك حول السبب في كون الشركات تملك الكثير من النقد في الغرب، وكيف نجذب المزيد من الاستثمارات ونستحدث الوظائف في القطاع الخاص؟ وإذا كان الأمل الأساسي في مستقبل اقتصادي أكثر إشراقاً يكمن في سلوك الشركات، فإن آخر ما يجب أن يفعله صانعو السياسات هو طرح سياسات تجعل هذه الشركات أكثر حرصاً.

ولتوضيح رأيي بعبارة أخرى، وبحسب وصف أحد زملائي في "غولدمان ساكس لإدارة الأصول" الأسبوع الماضي، فإنه إن كانت هناك شركة لا يمكنها الاستمرار في ظل إيراد سندات يبلغ 2.5%، فإن انخفاض الإيراد إلى 1.5% لن يؤثر معها في الحقيقة.

في ضوء بيانات وتطورات السوق في الأسبوعين الأخيرين، يبدو من غير الواضح لي السبب وراء اندفاع البنك الفيدرالي إلى مزيد من التيسير الكمي (QE). فعلاوة على كشوف الأجور الأفضل من المتوقع والتي أعلن عنها يوم الجمعة الماضية، فقد شهد هذا الأسبوع مفاجأة إيجابية سارة أخرى مع طرح معدلات التوظيف الأسبوعية.

وجاء إصدار بيانات النمو في مجال التجارة أفضل كثيراً من المتوقع، ما دفع الغالبية إلى مراجعة كل من تقييماتهم المعدلة للناتج المحلي في الربع الثاني من هذا العام، وتقديراتهم المبكرة لهذا الناتج في الربع الثالث من العام. وفوق كل هذا، شهدت الأوضاع المالية الأميركية تخفيفاً للقيود إلى حد ما. فبالرغم من أن الولايات المتحدة لا تنمو بخطى سريعة، فإن المزيد من التيسير الكمي الآن بالذات يبدو مثيراً للجدل تماماً.

 

 

قوة النموذج الإماراتي

 

 

 

مثلما استلهم نموذج الإمارات الحضاري الملايين من عقلاء العالم فقد أدهش منهجها في معالجة تبعات وتأثيرات الأزمة المالية العالمية العديد من المحللين وحطم الكثير من الأقلام الحاقدة. وعند اندلاع الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية في 2008 كان من الطبيعي أن تلحق بعض من شظايا تلك الأزمة باقتصاد الدولة نظراً لديناميكيته وانفتاحه على الأسواق العالمية.

لكن السؤال في ذلك الوقت لم يكن عن أسباب الأزمة بل عن الكيفية التي يمكن أن تعالج بها. ويتفق الكثير من المحللين على أن الأزمة جسدت بشكل كبير مدى نجاح الرؤية الإماراتية في إيجاد معالجات منهجية وموضوعية أعادت عجلة الاقتصاد بسرعة فائقة إلى الطريق الصحيح في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة الأميركية ودول منطقة اليورو تواجه صعوبات كبيرة في الخروج من أزمتها.

تخطت القطاعات المتأثرة في الدولة الأزمة بسرعة ماراثونية لكن انطباع العالم عن الحكمة التي اتبعتها الإمارات في تقريب المسافات وإصلاح الثغرات سيستمر لسنوات طويلة وربما يدخل في إطار الفكر الاقتصادي الذي يستحق أن يكون منهجاً يدرس لطلاب التخطيط والاقتصاد في أعرق الجامعات.

 

 

 

«مدفع» المركزي الأوروبي

 

 

هل نوقف سياسة التيسير الكمي مؤقتاً؟ يبدو من المثير للتساؤل أن نجد بنوكاً مركــزيـة كــثيرة "تواصـل" سـياسة التسـهـيل والتخفيف في الأسبوعين الماضيين.

وقد شمل هذا كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وأستراليا والولايات المتحدة، وبالطبع منطقة اليورو. ولا أعرف إن كان لهذا كله أي مغزى في ضوء ما تناولته سابقاً.

وبالمثل تماما أتساءل عن مغزى ما يقوم به الكثيرون عندما يحسبون عدد الرصاصات الحقيقية المتبقية لديهم، أليس من الأجدر على أي حال، أن ينتظروا ليروا ما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سيطلق مدفعه الثقيل الذي حاول إطلاقه من قبل، لأنه عندئذ فقط سيتضح ما إذا كان الآخرون بحاجة إلى تجربة رصاصاتهم أم لا؟ ولا يمكنني أيضاً تجاهل الاشتباه بأن هناك رائحة "تنسيق مسبق" بشأن هذا الأمر برمته.