فاجأ الربيع العربي (من حيث سرعة التغيير وحجمه) المشتغلين في مجال التنمية سواء من داخل المنطقة أو من خارجها، صحيح أن أسئلة كثيرة أثارها هؤلاء خلال العقدين الماضيين بشكل خاص، حول عدم ظهور حركات التغيير، رغم توافر جميع العوامل اللازمة لها، لكنهم قاموا في نفس الوقت باستبعاد حدوثها، وهو ما يفسر شعور المفاجأة الذي اجتاح هؤلاء، وهو شعور شمل معظم المهتمين بهذه المنطقة على اختلاف تخصصاتهم.
ومن السهل اليوم، القول: «لقد توقعنا التغيير»، كما يدعي البعض، ولكن يمكن الجزم بأن الشريحة الأكبر لم تتوقع حدوثه، فرغم توفر عوامله، لم تكن هناك مؤشرات أو تحركات حقيقية للتغيير، أو لم يتم ملاحظتها في أحسن تقدير.
صحيح أن دعوات تحذير كثيرة، صدرت عن المشتغلين بالتنمية، خاصة مع صدور تقارير متخصصة، كتقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة الذي تحدث عن عجز حقيقي في الحريات، والمعرفة، والتعليم، وفرص العمل، وهو التقرير الذي تكرر صدوره مرات عدة، وبحث قضايا أخرى مهمة مثل الفقر، والبطالة، والحلقة المحكمة بين الفساد والاستبداد.
ووقفت عوامل عدة خلف عدم قدرة هؤلاء على توقع التغيير، وأولها: افتقادهم إلى الخيال السياسي، حيث تم الفصل بين التطور الاقتصادي ونظيره السياسي والاجتماعي، بسبب الخوف من مخاطر التطرق إلى الجانب السياسي عند تحليل المجتمعات بينما لا توجد المخاطر نفسها عند الحديث عن المشاكل الاقتصادية.
كما يجب الإشارة إلى أن بعض الهيئات تلزمها البعد عن السياسة
وشكل ارتفاع التوقعات بأن يحدث التطور الاقتصادي تغييراً في البنية السياسية والاقتصادية والمجتمعية، سبباً آخر لغياب التوقع بأي تغيير. فالإصلاح المطلوب تحقيقه يلزمه المزيد من الشفافية وتطور سهل العدوى
ولعل تغافل المشتغلين بالتنمية، لتداعيات غياب وجود إجابات شافية وحقيقية حول مواضيع كبرى مثل الهوية والعدالة الاقتصادية وتوزيع أفضل للثروة، شكل سبباً آخر، فرغم تحقيق معدلات نمو مرتفعة في الاقتصاد، إلا أن سوء توزيع مردود هذه المعدلات، ذهب بفوائدها.
وإضافة إلى ما سبق، لعبت الهوة الكبيرة بين الأجيال بعدم فهم آلية تفكير جيل الشباب، وطريقة عمله، عاملاً اضافياً، وهو ما ينطبق على المشتغلين في التنمية الذين لم يحسنوا فهم الشباب، محرك التغيير الحقيقي.
واليوم، وبعد أن بات اكثر وضوحاً، لم يبق أمام المشتغلين بالتنمية من أعذار، وعليهم القيام وبشكل واضح، وبعيداً عن المواربة، لبحث مشاكل المنطقة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، بل وحتى الثقافية، وتقديم دراسات أكثر شمولية من السابق، والأهم تقديم الحلول.