أكد خبراء ماليون أن المؤشرات المالية تعكس متانة الوضع الاقتصادي للدولة. كما أكدوا على أهمية إقامة سوق سندات محلية في الإمارات، حيث إن هذه السوق ستلعب دوراً محورياً في إنعاش السوق العقارية، بالإضافة إلى كونها تنويعاً لمصادر التمويل في الدولة مما يخلق فرصاً استثمارية جديدة، ووفقاً لأحدث احصائيات بنك التسويات الدولي فإن حجم السندات المصدرة في الدولة حالياً قد بلغ ‬313,4 مليار درهم في نهاية العام ‬2010.

وقال الدكتور ناصر السعيدي، رئيس الشؤون الاقتصادية والعلاقات الخارجية في سلطة مركز دبي المالي العالمي: إن جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية مثل النمو الاقتصادي، زيادة التجارة الخارجية، انخفاض الدين الخارجي، تراجع التضخم، تحسن الوضع الاستثمار الدولي، ارتفاع الاحتياطيات الدولية، فائض الميزانية العامة، وغيرها، تدل على متانة وصلابة الوضع المالي والاقتصادي للدولة؛ مما يعطي المستثمرين الثقة سواء المحليين أو الدوليين عند الإقبال على السندات السيادية أو حتى على سوق سندات الدين المحلي؛ لأن أغلب الشركات الكبيرة المحلية تحظى بتصنيفات ائتمانية عالية لدى كبرى مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية.

وأوضح قائلاً: بالاستشهاد بالتجارب السابقة نجد أنه قد تم الاكتتاب على إصدار سندات أبوظبي شبه السيادية بأكثر من ضعفين وعرض المستثمرون شراء حصة من السندات تبلغ قيمتها حوالي ‬7 مليارات دولار أميركي، كما طرحت حكومة دبي في أكتوبر الماضي صكوكاً بقيمة ‬1,25 مليار دولار أميركي وصكوكاً أخرى قصيرة الأجل ذات سعر عائم بقيمة ‬5,2 مليارات درهم، وتم الاكتتاب على إصدار الدين الكلي بأكثر من ثلاث مرات.

وأضاف: إن إصدار السندات السيادية من قبل الحكومة في السوق الأولية لا يحدد ولا يؤثر على السيولة في القطاع المصرفي، وليس هناك أي علاقة مباشرة بينهما، ولكن قد تستخدم السندات السيادية في عمليات المصرف المركزي في السوق الثانوية لتحديد السيولة، فعندما يقدم المصرف المركزي على شراء السندات سيزيد عرض النقد (السيولة)؛ لأن البنوك قد حصلت على النقد مقابل السندات مما سيزيد من احتياطيات البنوك وبالتالي زيادة الإقراض، وفي المقابل عندما يقدم المصرف المركزي على شراء السندات مقابل النقد سيتقلص عرض النقد (السيولة) لديها؛ لان البنوك قد أعطت النقود مقابل السندات مما سيقلص من احتياطيات البنوك وبالتالي يقل الإقراض.

 

تقرير «ميريل لينش»

وأشار السعيدي إلى ما جاء في تقرير بنك أوف أميركا ميريل لينش للربع الأول من العام الجاري من أن قانون الدين العام الذي يتم العمل عليه في الدولة يعتبر خطوة إيجابية حيث يفتح هذا القانون الباب نحو إنشاء سوق دين اتحادي وسوق دين محلي كذلك، الأمر الذي يحمي دبي من مخاطر الاستثمارات الخارجية حيث سيؤدي هذا السوق إلى إبقاء السيولة في السوق المحلية، وذكر التقرير أن الإمارات مستمرة في التعافي بصورة تدريجية يساعدها في ذلك ارتفاع أسعار النفط والانتعاش الذي بدأ يشهده القطاع العقاري، والإنفاق على البنية التحتية في إمارة أبوظبي، بالإضافة إلى كون دبي ملاذا آمنا للاستثمارات وللأموال التي بدأت تتجه إليها بعد حالة عدم الاستقرار التي شهدتها أسواق أخرى في المنطقة.

في هذا السياق يذكّر السعيدي أن البنوك هي المشتري الأول للسندات السيادية بسبب كون الديون ــ السندات الحكومية ذات جاذبية عالية نظراً لتوافقها مع المتطلبات التنظيمية والاحترازية المفروضة من قبل البنك المركزي، ناهيك عن استخدامها كأداة مالية في سوق الاقراض ما بين البنوك والبنك المركزي ايضاً.

بينما ترى هيئة الأوراق المالية والسلع إن إصدار السندات والصكوك السيادية والحكومية يساهم في عملية تسعير السندات والصكوك المؤسسية عبر تحسين كفاءة هذا التسعير ومما يشجع المستثمرين على الخوض في الاستثمار في الأوراق المالية ذات الدخل الثابت بثقة أكبر، وكذلك تستخدم هذه السندات من قبل البنوك والمؤسسات المالية كضمانات استثمارية كٌٌُفُّمْفٌ في عملية إعادة التمويل الدورية التي تقوم بها، مما يزيد من مرونة عملية إدارة ملاءتها المالية الذي يساعد على زيادة سيولتها، وذلك يزيد من سيولة القطاع المالي والمصرفي بشكل عام، بالإضافة إلى أن هذه السندات تمثل أداة مثالية للمصرف المركزي للتحكم بالسيولة على مستوى النظام المالية للدولة، فيتمكن من خلالها بزيادة هذه السيولة عند الحاجة أو تخفيضها في حل قضت المصلحة المالية العامة، وفي نفس الوقت تمثل أداة استثمارية بديلة عن الأسهم في حال زيادة المخاطر النظامية، فمن المتعارف عليه عالمياً أن يحول المستثمرون المؤسسيون استثماراتهم من أسواق الأسهم إلى السندات عند ارتفاع المخاطر المالية، مما يسمح ببقاء هذه السيولة الاستثمارية في أسواق المال عوض خروجها منه.

 

مصادر التمويل

من جهته يقول ستين جاكوبسون، كبير المحللين الاقتصاديين، ساكسو بنك إيه/إس: إن إقامة سوق سندات ناجح يعبر عن وجود سوق مال ناضج، هذا بصورة عامة، بالإضافة إلى أن وجود سوق سندات في الإمارات قد يحل جزءا كبيرا من المشاكل المتعلقة بالتمويل العقاري، ومن ناحية أخرى فإن وجود هكذا سوق يعد تنويعاً لمصادر التمويل، حيث يلجأ المشتري إلى السوق ليطرح سندات على سبيل المثال للعقار الذي يود شراءه فيشتري الآخرون هذه السندات وبالتالي فإن العقار قد تم تمويله من دون اللجوء إلى مصادر التمويل الأخرى، الأمر الذي سيحرك السوق العقارية نحو الأفضل.

 

حجم السوق

يرى السعيدي أن الحجم المتوقع للسوق سوف يعتمد على القرارات المتخذة من قبل الحكومة الاتحادية والمحلية في حجم تمويل مشاريع البنية التحتية ومشاريع التنمية بالإضافة الى أذونات الخزينة القصيرة والمستحقة خلال سنة واحدة من تاريخ الإصدار.

ويردف: إن مشروع قانون الدين العام (غير المصدق حتى تاريخ اليوم) سيسمح للحكومة الاتحادية بإصدار السندات والاقتراض من أجل سد أي عجز في الميزانية العامة، ومن المعلوم إن الحكومة الاتحادية تتبع سياسة الميزانية الصفرية لذلك لم تشهد الميزانية الاتحادية أي عجز منذ العام ‬2005 بفضل ارتفاع عوائد النفط، إلا أن الميزانية العامة المقدرة للاتحاد عن السنة المالية ‬2011 ستشهد عجزا وقدره ‬2,9 مليار درهم وعلى الحكومة اللجوء إلى الاقتراض لسد هذا العجز، حتى في ظل الوفرة في الميزانية العامة، فعلى الحكومة الاتحادية وضع برنامج دوري لإصدار السندات السيادية وتحمل هذه التكلفة من أجل تطوير سوق السندات حيث تعد السندات الحكومية الركيزة الأساسية لانطلاق تلك الأسواق وفتح الطريق أمام القطاع الخاص، ثم نود الاشارة إلى أن مشروع قانون الدين العام الذي ينتظر مصادقة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، قد حدد سقف الدين العام الاتحادي بألا يتجاوز ‬25٪ من مجموع الناتج المحلي الإجمالي للدولة أو ‬200 مليار درهم.

وتوافق هيئة الأوراق المالية والسلع على رأي السعيدي في هذا الشأن حيث ترى أنه وفي حال إصدار السندات والصكوك المؤسسية، فإن حجمها يجب أن يكون مناسباً للغرض من إصدارها، أي تمويل مشروع معين أو توسع في نشاط معين، مما يعني أن حجمها يجب أن يكون مدروساً بعناية.

 

عجلة الاقراض

ويضيف: تظهر الحاجة في السوق والاقتصاد المحلي للإمارات إلى سوق سندات الدين بالعملة المحلية في ضرورة دفع عجلة الاقراض لانعاش السوق المحلية ودعم الاقتصاد المحلي حيث قد تباطأ معدل نمو الاقراض في القطاع المصرفي إلى أدنى مستوياته مقارنة بما قبل الأزمة المالية، فلابد من تقديم مصدر قوي لتوفير التمويل للجهات الحكومية والخاصة، وتنويع مصادر الحصول على الاحتياجات المالية وعدم الاقتصار على التمويل المصرفي، كذلك قد تحد متطلبات بازل ‬3 من قدرة البنوك على زيادة الاقراض ولذلك بسبب النسب المرتفعة المطلوبة لمعيار ملائمة رأس المال ومعيار السيولة.

ويستشهد السعيدي بما قال وخلص اليه معالي سلطان بن ناصر السويدي، محافظ مصرف الإمارات المركزي، في المؤتمر المصرفي العاشر لدول مجلس التعاون الخليجي، في ضرورة خلق أسواق دين محلية أو سندات وصكوك في دول المجلس، كما أكد على أهمية وضع معايير واضحة وشفافة لنمو وازدهار أسواق الدين في دول مجلس التعاون.

ويضيف السعيدي: إن من شأن تطوير سوق بالعملة المحلية ذات دخل ثابت أن يعود بالعديد من الفوائد، مثل امكانية النفاذ الدائم إلى رأس المال، وتنويع أدوات السياسة النقدية، وايجاد أساس واضح لتسعير الأصول المالية وتصميم أدوات إدارة المخاطر. ناهيكم عن أن تمويل الإنفاق الحكومي هو الهدف الأسمى الذي من ورائه يتم إنشاء تلك الأسواق. ومع مرور الوقت، يصبح منحى العائد على الدين العام مرجعاً للمؤسسات الخاصة، مثل البنوك، والمرافق العامة، والشركات التي تصبح بعدئذ قادرة على دخول السوق بدورها لتمويل استثماراتها، ويعتمد انشاء سوق الرهن العقاري على مدى عمق وسيولة سوق سندات الدين المحلية حيث لا يتعدى في الوقت الراهن ‬5٪ من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالدول التي تملك سوقا لسندات الدين.

 

مقومات السوق

ويرى أن المقومات المطلوبة لإنجاح سوق سندات الدين المحلية تنطلق من إيجاد سوق للسندات السيادية وهو يعد أحد أهم المتطلبات لتطوير سوق سندات الدين للقطاع الخاص، ولابد من تبني استراتيجية واضحة لتطوير سوق سندات الدين للشركات، ثم لإنجاح السوق لابد أن يشارك القطاع الخاص في بناء مثل هذه الاسواق وذلك من خلال استيفاء متطلباته التمويلية عن طريق إصدار سندات الدين.

أما عن التي ستساهم في بناء سوق محلي لسندات الدين فيرى السعيدي: إن هذه المتطلبات إما أن تكون تنظيمية أو قانونية وتتمثل في عدم وضع ضوابط تحد أسعار الفائدة (التسعير غير السوقي للقروض، وترتيبات السوق غير التنافسية التي تجبر المؤسسات المحلية على شراء السندات الحكومية)، وأن من شأن تطوير سوق السندات السيادية أن يوفر مؤشر منحنى العائد على الدين العام والذي بدوره يستخدم في تسعير بقية السندات غير السيادية، وهناك أمر مهم آخر هو إيجاد نظام تسوية ومقاصة إلكتروني متكامل يتمتع بالمرونة والوضوح، بالإضافة إلى تكليف جهة تنظيمية مثل الوزارة المالية والمصرف المركزي بأن تقوم على توجيه نظام سوق سندات الدين من خلال الإفصاح الكافي وغيرها من متطلبات الاصدار، وإيجاد نظام إيداع مركزي إلكتروني، ولابد من إيجاد نظام موثوق وذات مصداقية من قبل وكالات التصنيف من أجل إصدار سندات الدين، وفي النهاية إصدار قانون ينظم عمليات التوريق لتطوير منظومة متكاملة لتحسين وتعزيز سوق سندات الدين. وتوافق هيئة الأوراق المالية والسلع على نفس المقومات حيث ترى الهيئة إن وجود قوانين وأنظمة تعالج جميع الجوانب التنظيمية لعملية إصدار وتداول السندات تعد من أهم مقومات النجاح، بالإضافة إلى إدراج هذه السندات في الأسواق المالية المحلية وتوفير أسعارها بشكل علني ومتواصل، وتوفير مؤسسات مصرفية ومالية قادرة على توفير السيولة اللازمة للتداول، حيث تلعب هذه المؤسسات دور صانع للسوق، توفر قاعدة المستثمرين المؤسسيين المهتمين بالاستثمار في هذه السندات، واستصدار تقييمات ائتمانية من أهم شركات التقييم الائتماني لكون هذا التقييم ضروري لجذب المستثمرين الأجانب.

 

 

سوق السندات يساهم في تنويع دفع المخاطر بالنظام المالي

يرى الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية والعلاقات الخارجية في سلطة مركز دبي المالي العالمي أن الحاجة في الإمارات إلى سوق سندات تتجلى في أهمية ايجاد وتطوير أسواق سندات محلية في الاقتصادات الناشئة لتنويع المخاطر في النظام المالي منذ أزمة أواخر التسعينيات التي شهدتها الدول الآسيوية، ولقد تم التأكيد على ضرورة وجود أسواق كهذه في سياق الجهود العالمية التي قادتها مجموعة الثماني الكبار في العام ‬2007، ويساهم عمق السوق وحجم السيولة فيها بالتقليل من تكاليف المعاملات، وتوفير قناة فعالة لتوظيف مصادر الأموال في استخدامات منتجة مثل البنى التحتية، وتحسين عملية توزيع المخاطر من قبل جميع الوسطاء الماليين وعدم قصر الاستثمار على سوق أو قطاع واحد، فلا تخفى على أحد خسائر وتراجع أسواق الأسهم المحلية بعد إفلاس مصرف ليمان أعقاب الأزمة المالية والتي لا يمكن تفسيرها في ضوء المعطيات المتعلقة بأساسيات الاقتصاد، وكذلك تزود أسواق الدين البنوك المركزية بأدوات تتيح لها تنفيذ سياساتها بشكل فعال عبر ضخ أو تقليص السيولة.