يرى ريتشارد ميل الرئيس والرئيس التنفيذي لدار الساعات السويسرية «ريتشارد ميل»، فكرة طرح أسهم شركته للاكتتاب العام أشبه بتنفيذ حكم الاعدام على مسيرته الابداعية وعلى جميع افراد فريقه من الحرفيين والمصممين المهرة.
فيقول: ما افعله هو أمر شخصي، وإذا اتجهت إلى الاكتتاب فإنني سأضع نفسي تحت ضغط سوق الاسهم، وسأبدأ تلقائيا بالتفكير في الكم، وبالتالي بالإنتاج التجاري، وسأخسر متعة الابتكار تحت وطأة طلبات المساهمين، وهو ما سينعكس على المهندسين العاملين معي والحرفيين الذين يكرهون فكرة تكرير منتج واحد لأكثر من مرة. أي أنني سأخسر سمعة ماركتي وولاء زبائني، من أجل ماذا؟ اعتبر نفسي بذلك محظوظا جدا لأنني أفعل ما أحب.
يعد ريتشارد ميل، من أشد المبدعين حفاظا على تقاليد صناعة الساعات السويسرية الفاخرة. فهو لا يعترف بتعهيد عمليات تصنيع أجزاء ومكونات ساعاته في تايون أو الصين أو غيرها. لأنه يعتبر ذلك مساسا بتركيبة الجينات الوراثية والبنية الثقافية لهذه الحرفة التي توارثها الاحفاد عن الاجداد، بصبر وتؤده عبر سنوات من العمل الدؤوب والمهارات المتوارثة من شتاء طويل إلى آخر لا يزيد تراكم الثلوج في نيوشاتيل أو جنيف أو بازل هؤلاء المعلمون إلا اصرارا على ابتكار المزيد من الجمال المعقد والمركب ليثبتوا لأنفسهم أولا ولغرمائهم بأن الابداع يمكن له ان يولد ويكبر من رحم العزلة والحصار اللذين قد تفرضهما الطبيعة القاسية على البشر.
وقال:"اعتقد ان تعهيد تصنيع مكونات الساعات السويسرية هو مساس مباشر بكينونة وشخصية الصناعة السويسرية. وأنا ارفض مطلقا القيام بذلك على الرغم من قيام عدد من المصنعين السويسريين بذلك عن طريق آسيا.
وأضاف : انا لا أصنع بكميات كبيرة مثل الآخرين. فطاقتي الانتاجية لا تتجاوز 2500 إلى 2600 ساعة سنويا، وهي موزعة على حوالي 30 موديلا. فمنتجي لا يعتمد على الكم بل على التميز والاختلاف عن السائد.
لكن لماذا لا يستغل ريتشارد ميل شهرة ماركته السويسرية واللحاق بركب الانتاج الكمي، أسوة بكثيرين من اقرانه. يقول ميل: انا لا أعير انتباها إلى كل ما يجري من الذهاب إلى الأسواق عبر إنتاج حركات ساعات تجارية وبيع عشرات الآلاف من الساعات في الأسواق. فهذه اللعبة لا تستهويني ابدا. وكل ما اريده هو إنتاج ما يقنعني من تحف فنية نادرة الشكل والمضمون، وهو ما ينتظره مني زبائني حول العالم.
ساعة بمليوني دولار
يقول ميل: في جنيف، سأطلق مجموعة ساعاتي المبتكرة بكل فخر، وعلى رأسها ساعة البولو الخاصة بصديقي بابلو ماكدونالد نجم رياضة البولو العالمي. وهذه الساعة تشكل منعطفا جديدا بالنسبة لي، لانها ليست ساعة لمجرد العرض وقت التصوير. بل لتعيش مع البطل في ميادين السباق المختلفة. لحظة بلحظة. لتكون قادرة على تسجيل لحظات النصر في وسط المعركة.
أما المفاجأة الثانية في تشكيلة الساعات التي سيطرحها ريتشارد في جنيف فهي طبعة محدودة جدا مكونة من 5 ساعات فقط شفافة بالكامل مصنوعة من زجاج السافير. تعمل بحركة كرونوغراف المعقدة.
ويعترف المبدع ميل أنه لن يستطيع إنتاج أكثر من 5 ساعات في هذه الطبعة لأن إنتاج المزيد منها يحتاج إلى وقت وجهد جبارين. فنحتها وتصميم حركتها الميكانيكية معقد جدا، نظرا لتركيبتها وشكلها الفريد. وهو ما يجعل سعر الساعة الواحدة يصل إلى مليوني دولار أميركي.
كما يستعد ميل للكشف عن ساعة مهيكلة وصغيرة بطبعة محدودة إلى جانب ساعات الغولف.
لا موضة في الساعات
يرى ميل أن ايقاع الموضة الموجود في عالم الازياء لا ينسحب على عالم صناعة الساعات، فلا وجود للموضة بالمعنى الحرفي، فلكل مستهلك من عشاق الساعات ذوقه الخاص، وكل منهم يريد اقتناء ساعة لكل مناسبة، سواء أكانت ساعة ميكانيك أم كوارتز أم غيرها، أم كانت ساعة مستطيلة العلبة أم كبيرة أم صغيرة، رجالية أم نسائية. فهو لا يريد ان يكون اسيرا للتصميم الواحد أو السائد، بقدر ما يرغب في تقديم تصاميم منفتحة على العالم الذي ينتمي هو بالدرجة الأولى اليه.
وعلى الرغم من سطوة حضور حركات الميكانيك في ابداعته، وما تعنيه من تعقيدات جمالية على مستوى التصميم أيضا، إلا ان 50% من زبائنه من النساء الذواقات للتميز والأناقة.
الأزمة العالمية
قرر ريتشارد ميل في 2001 الاستقلال عن السرب، مؤسسا شركته الخاصة بعدما أدرك أن مهنيته أصبحت على المحك، فغرد خارج سرب السائد، عازفا على وتره هو، فأبدع في عمله، وأذهل جميع من عايشوا ثورته الشخصية حينها.
وبالرغم من عاصفة أزمة الاقتصاد العالمي في 2008 وما صحبها من احجام أثرياء العالم عن الإنفاق على السلع الفاخرة حتى هذه اللحظة، إلا أن الطلب على ساعات ميل لا يزال أعلى من الطاقة الانتاجية لشركته، فهناك في دولة مثل الصين، وتحديدا في العاصمة بكين، يندر أن تجد في واجهات بوتيك ريتشارد ميل ساعات معروضة على مدار العام، فهي غالبا ما تكون فارغة. وهو أمر لا يزعجه اطلاقا بل يؤكد له ان منتجه مذهل ومطلوب رغم قلة عدده.
ويقول: لقد واجهت بعض ماركات الساعات تبعات الأزمة المالية العالمية في 2008 والسنة التي تليها، حتى ان بعضها أوقف عمليات التصنيع لفترات معينة تحت تأثير سعر اسهمها في البورصات، إلا ان وضعها تحسن في العامين 2010 و 2011. وقد عدلت شخصيا في استراتيجيتي في تلك المرحلة لإنتاج المزيد من الطبعات المحدودة والخاصة، وقد بيعت جميعها بالرغم من حرصي على الحفاظ على فئات سعرية مرتفعة تعد هي الأعلى في السوق إلى الآن.
وأكد ريتشارد ميل أن الطلب على الساعات الميكانيكية المعقدة لا يزال مزدهرا، بالرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على صناعة الساعات منذ اختراع ساعات الكوارتز إلى يومنا هذا. لما تمتلكه من قدرات فنية وتقنية عالية لا يمكن لأي آلة أن تضاهيها.
الامارات الأولى إقليمياً
احتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً والتاسعة عالمياً على قائمة الدول الأكثر استيرادا للساعات السويسرية الفاخرة في 2011. مستوردة (2.43 مليار درهم) أو 618.7 مليون فرنك سويسري مقارنة بقيمة(2.03 مليار درهم) أو 517 مليون فرنك في 2010. وحوالي(1.56 مليار درهم) أو 397 مليون فرنك في 2009. مسجلة بذلك نموا سنويا قدره 19.7%. ونموا مركبا نسبته 55.7% خلال 3 اعوام على التوالي.
وجاءت الدولة في المرتبة التاسعة بعد كل من هونغ كونغ والولايات المتحدة والصين وفرنسا وسنغافورة وايطاليا وألمانيا واليابان. فيما جاءت السعودية في المرتبة 15 بقيمة (1.010 مليار درهم) أو 257 مليون فرنك، وقطر في المرتبة 24 بقيمة (370.7 مليار درهم) أو 94.3 مليون فرنك، والكويت في المرتبة 28 بقيمة (266.16 مليار درهم) أو 67.7 مليون فرنك، من أصل 30 دولة مستوردة للساعات السويسرية. وبلغ إجمالي صادرات سويسرا من الساعات (68.40 مليار درهم) أو 17.40 مليار فرنك سويسري في 2011 بنمو مركب قدره 45% خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
نمو في مبيعات التجزئة
أما على مستوى المبيعات، فسجل العام الماضي نمواً في مبيعات الساعات الفاخرة بلغ حجمه 660.928 مليون درهم، فيما سجلت مبيعات المجوهرات الفاخرة 1.545 مليار درهم، وفقا لمصادر تجارية وإحصاءات محلية.
وبلغ إجمالي مبيعات السلع الفاخرة في الإمارات خلال 2011 حوالي(8.556 مليارات درهم) أو 2.325 مليار دولار مقارنة بحوالي(7.900 مليارات درهم) أو 2.147 مليار دولار في 2010.
وينفق المقيمون والزائرون حوالي (2.205 مليار درهم) أو 599.4 مليون دولار على المجوهرات والساعات الفاخرة فقط من إجمالي هذا الرقم. وتفصيلا تم انفاق حوالي (579.968 مليون درهم) أو 157.6 مليون دولار على المجوهرات الرجالية الفاخرة، و(461.84 مليون درهم) أو 125.5 مليون دولار على الساعات الرجالية الفاخرة، و(965.264 مليون درهم) أو 262.3 مليون دولار على المجوهرات النسائية الفاخرة، و(199.088 مليون درهم) أو 54.1 مليون دولار على الساعات النسائية الفاخرة.
صناعة تتحدى الركود
ويرى مارتن رادكاي من موقع سويس إنفو، الإخباري، أنه على الرغم من قوة الفرنك، لم تكتف صناعة الساعات السويسرية بالصمود أمام هزات الأسواق العالمية، بل نجحت أيضا في تحقيق مبيعات قياسية. وقد تجلى ذلك بتحقيقها لمعدل نمو بلغ 19.1% في عام 2011، وزادت المبيعات بنسبة 16% في شهر نوفمبر من نفس العام.
فالأرقام الصادرة عن اتحاد صناعة الساعات السويسرية تظهر زيادة في المبيعات قدرها مليارا فرنك في شهر نوفمبر وحوالي 18 ملياراً للسنة بأكملها، من دون الأخذ في الاعتبار مبيعات أعياد الميلاد ونهاية السنة.
وتمنح هذه النتائج القياسية العاملين في هذا القطاع الشعور بالافتخار عشية تنظيم تظاهرتيْن مهمتيْن تستضيفهما جنيف خلال الشهر الجاري: معرض جنيف للساعات، والمعرض الدولي للساعات الفاخرة.
وتعود هذه الطفرة التي شهدها قطاع صناعة الساعات في المقام الأول للتحول التدريجي الذي طرأ على الأسواق التقليدية، حيث كان لأزمة اليورو تأثير متباين على الأسواق الأوروبية، ومن ذلك ان ألمانيا شهدت زيادة قدرها 60% على مستوى مبيعات الساعات السويسرية، في الوقت الذي تراجعت فيه تلك المبيعات بشكل مهم في إيطاليا، ويرجع هذا بالأساس للتعديل الذي ادخل على الأنظمة الضريبية في هذا البلد.
وتعود هذه الطفرة إلى الإقبال الكبير والمستمر على الساعات السويسرية في البلدان الآسيوية خلال السنوات الأخيرة. فالصين التي كانت تحتل المرتبة السابعة في قائمة الحرفاء في عام 2008، باتت الآن تحتل المرتبة الثالثة مباشرة بعد هونغ كونغ، والولايات المتحدة الأميركية. وكل التوقعات إيجابية بالنسبة للمستقبل.
وعقب الزيادة في الطلب على الساعات خصوصا بالنسبة للماركات الفاخرة التي يقترب سعرها من 3000 فرنك، والتي تشمل زينيث، وكارتييه، وبينيراي، أقدمت مجموعة سواتش، استجابة منها لهذا الطلب، على توسيع قدراتها الإنتاجية، وتعزيز استثماراتها في آسيا. وعبر جون دانيال باشي عن تفاؤل حذر وقال: "تعد الصين سوقا آمنة، وهناك فرصا لتعزيز حضورنا في هذا البلد، ولكن لا شيء مؤكد مئة في المئة، وعلينا ان نكون حذرين، وألا نغفل أو نصرف أنظارنا عن بقية الأسواق".
من جهته أوضح فاوستو سالفي، المدير التنفيذي لماركة "بيريلات" أنه إذا كانت السوق الصينية واعدة، فإنه لا يمكن الوصول إليها بسهولة: "الماركات التي تحقق نتائج جيدة هي تلك التي أقامت لها نقاط بيع منذ سنوات عديدة، في المقابل، تواجه الماركات حديثة الإنتشار في الصين صعوبات جمة". وتتمثل إستراتيجية "بيريلات" في فتح محلات خاص بنوع واحد من الساعات، مع تركيز جهودها واهتمامها على سوقها الرئيسية وهي الولايات المتحدة الامريكية.
والمخاوف التي عبر عنها فاوستو سالفي يشاطره فيها أيضا منافسوه مثل جون كلود بيفار المدير التنفيذي لماركة "هيبلوت" وهو شخصية كبيرة معروفة في ميدان صناعة الساعات منذ ثلاثة عقود. ولقد بين هذا الأخير في حديث إلى مجلة( Forbes ) العام الماضي بأن ساعات "هيبلوت" لا تتوافق مع الأذواق الصينية. ويعترف اليوم بأن هذه الماركة تعاني من تأخر في غزو السوق الصينية مقارنة بغيرها.
مبيعات وحذر
تحقيق أرقام قياسية في مبيعات الساعة لا يعني بالضرورة العودة إلى الوضع الذي كانت تعيشه هذه الصناعة قبل الركود الاقتصادي، حينما كانت تصاميم الساعات غير عادية، والأسعار جد باهضة. ولقد ساعد ارتفاع الطلب في التعويض على الأضرار التي سببها الفرنك القوي، ويقول جون دانيال باشي: "على أعضاءنا الحد من ارتفاع الأسعار، لأن المستهلكين أصبحوا حساسين وحذرين جدا للأسعار".
ومع ذلك، يعتبر جون كلود بيفار المرونة افضل وسيلة لمواجهة الوضع: "لقد أصبحنا أكثر انتباها لكل المؤشرات، ووضعنا خطة تسمح لنا بتسريع العملية في مجملها، وفي نفس الوقت، سرعة التحكم فيها".
ويعتقد المدير التنفيذي لشركة "هيبلوت" أن الطلب ليس هو العنصر الوحيد الذي يفسر النتائج الجيدة التي حققها هذا القطاع: "لقد استطاع هذا القطاع إعادة التمركز حول الاستخدام المعلن للساعات وجعله رمزاً للذوق الرفيع. واستطاعت الصناعة السويسرية في هذا المجال الفوز بنصيب الأسد في الأسواق الدولية لأنه لا يوجد منافس أجنبي حقيقي لها". هذا على الرغم من ان الصين تطور صناعات خاصة بها في مجال الساعات!.


