البنوك الإسلامية تخلت عن نموذج «المضاربة» لصالح «المديونية»

كثيراً ما يوجه العتاب للصناعة المالية الإسلامية ومن ورائها البنوك الإسلامية أنها تخلت عن المشاركة والمضاربة والتي هي من صميم الفكر الاقتصادي الإسلامي.

والمضاربة المقصودة في هذا السياق هو عقد الاستثمار الذي يؤدي فيه البنك دور رب المال باستثمار أمواله كشريك بالمال، بينما يتولى الطرف الآخر أي المضارب مسؤولية الإدارة وحده وهو شريك بالعمل.

وبتركيزها على صيغ تمويل تقوم جلها على المديونية وعلى رأسها عقد المرابحة تكون المؤسسات المالية الإسلامية قد تخلت على إحدى ركائز تأسيسها وهي عدم الوقوف عند حد الامتناع عن الربا.

ويظهر عنصر المديونية في المرابحة وبالتالي قربها من اقتضاء الفائدة في التمويل التقليدي أن عائد التمويل في المرابحة يتمثل في صورة هامش محدد مسبقاً ولا يرتبط بنتيجة نشاط الآمر بالشراء الذي اشترى البضاعة بالمرابحة.

ويقول الدكتور عبد الستار الخويلدي، الأمين العام السابق للمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم في دبي لـ«البيان الاقتصادي» إن من نتائج تبني هذا النهج في التمويل القائم على المديونية ان غابت الفروق الجوهرية بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية وغاب معها تحقيق حلم البنوك الإسلامية لتكون بديلاً عن البنوك التقليدية أو منافساً قوياً لها في أداء دور البديل للنظام المالي التقليدي.

تشخيص الواقع

وحول الأسباب الكامنة وراء ذلك وما إذا أصبح تحرك المؤسسات المالية الإسلامية في هامش محدود لتفعيل المشاركات، يقول الخويلدي إن تركيز المؤسسات المالية الإسلامية على صيغة المرابحة بشكل خاص لم يجعل منها بنوكاً للمشاركة كما هو مأمول ولا عزز قدرتها التنافسية مع البنوك التقليدية بحكم تخصص هذه الأخيرة وقدرتها على إعادة التمويل وتغلبها على شح السيولة بتعدد صيغ إعادة التمويل التي يزخر بها النظام المالي التقليدي.

ويوضح الخويلدي: «يمكن تقسيم الأسباب ما بين أسباب داخلية تعود لسياسة البنك، ويمكن حصرها في ثلاثة أسباب: ضمان العائد، وصعوبة التوافق بين آجال الإيداعات والاستثمار، ووضوح التدفق النقدي».

أسباب داخلية

أولاً، ضمان العائد وثباته في المديونية، فالسعي لعائد مجزٍ ومدروس المخاطر من المسائل المطلوبة من إدارة المصرف. ولكن يلاحظ بوضوح تأثير النظام المصرفي التقليدي في إعطاء مفهوم وتصور للمصرف المبني على ضمان القرض الممنوح وفائدته. ونتيجة لذلك أصبح ينظر لأي منتج يتطلب درجة من الحرص والمتابعة من قبل المصرف وتحمل الصيانة الأساسية في الإجارة، والتخلي عن العمولات التي لا تقابلها خدمة وكأنه خروج عن الدائرة الطبيعية للنشاط المصرفي.

ثانياً، صعوبة توافق الآجال بين مدة الإيداعات المتاحة ومدة الاستثمار: فمن الحجج التي تثار عند طرح أسباب عزوف المؤسسات المالية الإسلامية عن المشاركات أن الاستثمارات لدى المصارف الإسلامية هي استثمارات لمدد قصيرة بينما يقتضي تمويل المشروعات الحقيقية فترة تمويل متوسطة أو طويلة المدى الشيء الذي يؤدي إلى عدم توافق بين الإيداعات والاستثمارات وبالتالي صعوبة إيجاد السيولة اللازمة في الوقت المناسب لرد الودائع في مواعيد استحقاقها.

إن مثل هذه العقبات لها وجاهة فالحيطة مطلوبة. ولكن مثل هذه الحيطة على وجاهتها لا تقبل التعميم. فكثيراً من البنوك الإسلامية لها ودائع مستقرة حتى أن بعض المصارف الإسلامية تعاني فائض سيولة وهي ظاهرة نادرة في تاريخ المصرفية إذ إن شح وانحسار السيولة هو الوضع السائد في المصارف.

ثالثاً، وضوح التدفق النقدي، حيث تقدم المنتجات القائمة على المديونية كالمرابحة والإجارة موعداً محدداً في المستقبل يسترد المصرف عنده الأموال المقدمة العملاء بحيث يكون في حالة جاهزية دائمة من حيث السيولة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon