أكد معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري، وزير الاقتصاد أن الإمارات أحرزت تقدما مهما ومؤثرا في تطوير بيئة حوكمة الشركات، حيث نجحت المبادرات الحكومية في دمج أفضل الممارسات في إدارة المخاطر واليقظة والشفافية والمحاسبة على نحو يكفل تعزيز قوة القطاع الخاص وجذب دعم المجتمع الدولي، وأوضح أن وزارة الاقتصاد وبناء على التفويض الممنوح لها من مجلس الوزراء الاتحادي في المرحلة النهائية من عملية إعداد نطاق متسع من مشروعات القوانين التي تحكم طيفا متنوعا من القطاعات، منها المنافسة والاستثمار الأجنبي والتحكيم وحقوق الملكية الفكرية والشركات والصناعات والمشروعات الصغيرة.
ووجه معالي المنصوري في كلمته الرئيسية أمام المؤتمر السنوي الإقليمي السادس لحوكمة الشركات الذي بدأ فعاليته أمس، الدعوة لكل من الأعمال العائلية والمشروعات الصغيرة للاستفادة من المكاسب والفوائد المتحققة من التطبيق الفعال والكفء لمعايير وممارسات وأطر الحوكمة، وأكد معاليه أن حوكمة الشركات تطبق على كافة الأعمال والتنظيمات وليس فقط على المشروعات الكبيرة، مشيراً إلى أن امتثال المشروعات الصغيرة لتطبيقات الحوكمة الجيدة يعد أمراً حتمياً أخذاً في الاعتبار حقيقة أن القسم الغالب من الأعمال في الإمارات ينتمي إلى فئة الأعمال الصغيرة والمتوسطة، وأنه لكي تنمو هذه المشروعات، فإنه يجب أن تظل قادرة على استقطاب التمويل والاستثمار وتحقيق نمو بالمعايير العالمية.
احتياجات الشركات
دعا الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي إلى تأسيس بورصة أسهم تلبي احتياجات وطموحات الشركات العائلية وسوق الدرجة الثانية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتتزامن دعوة معالي وزير الاقتصاد مع الإعلان عن المرسوم الذي أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتعزيز الشفافية وحوكمة الشركات في الدولة وتشديد تنظيم وتشكيل مجالس إدارات المؤسسات الربحية وغير الربحية، وكذلك الشركات المملوكة من قبل الحكومة الاتحادية، وحفلت كذلك جلسات المؤتمر بمناقشات مهمة تركز على تأثير التغييرات في الدول العربية نتيجة «للربيع العربي» وأثرها على حوكمة الشركات.
وقد بدأت أمس أعمال المؤتمر السنوي الإقليمي السادس لحوكمة الشركات الخاص بـمعهد حوكمة ومنظمة التعاون الاقتصادي الذي يحمل شعار «من الأقوال إلى الإجراءات: التحديات المقبلة لحوكمة الشركات في المنطقة»، وشارك في فعالياته خبراء إقليميون ودوليون في مجال حوكمة الشركات، حيث جرت مناقشة التحديات التطبيق التي تواجهها شركات المنطقة مع التركيز على تمكين المساهمين، ونشاط المستثمر المؤسسي، ودور المرأة في مجالس الإدارة، وتطورات في مجال الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة، والصلات بين أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والأسواق الناشئة / المتقدمة الأخرى وواقع الربيع العربي على الحوكمة، كما بحث المؤتمر معالجة قضايا التطبيق وقدرات أعضاء مجلس الإدارة والهيئات المنظمة، والمؤسسات الاستثمارية كوكلاء التغيير بالإضافة إلى إدارة المخاطر.
الأعمال العائلية
وتحدث معاليه عن حوكمة الأعمال العائلية، مشيراً إلى أن دولة الإمارات لديها عدد من الأعمال العائلية التي تمكنت من بناء خبرة مميزة في قطاعات اقتصادية حيوية عبر السنين، وأن هذه الأعمال العائلية صارت في موقع يتيح لها تحقيق مكاسب ملموسة من جراء انتهاج تطبيقات حوكمة الشركات، وأوضح أنه بمقدور الأعمال العائلية النفاذ إلى التمويل وجذب رؤوس الأموال من حول العالم، وذلك من خلال الاستفادة من جوهر خبراتها والالتزام بممارسات الحوكمة الجيدة، ووجه المنصوري الدعوة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الإمارات وعبر المنطقة لتبني تطبيقات حوكمة الشركات في وقت مبكر بقدر الإمكان.
وتابع معالي الوزير بقوله: تتيح التغييرات المستمرة فرص نمو جيدة لقطاعات الأعمال في الإمارات كما تسنح لها إمكانية التنافس على الصعيد العالمي، وفي نفس الوقت، تمكن المستثمرين الأجانب من تعظيم استفادتهم من المزايا التي تتمتع بها دولة الإمارات من ناحية الموقع والبنية التحتية وتنافسية الأعمال والتوسع السريع عبر الأسواق الصاعدة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
وأوضح المنصوري أن التطورات العالمية الحديثة جعلت المستثمر يتبنى نهجا بالغ الحذر، حيث لم يعد كافيا طمأنته من خلال تضمين أطر حوكمة الشركات ببعض البنود الخاصة بحماية حقوق حملة الأسهم والإفصاح والشفافية ومجلس المدراء، بل صار الامتثال والتنفيذ بمعايير وأطر الحوكمة جديراً بأن يخلق واقعا مغايرا، مشيراً إلى أن المستثمرين سيشعرون بالتشجع في إطار بيئات أعمال تنفذ وتطبق فيها مبادئ الحوكمة نصاً وروحاً.
واستدرك في حديثه بقوله: بات المستثمرون يفضلون بلدان الشرق الأوسط بشكل متزايد، وهو وضع يتيح الكثير من الفرص التي يستلزم تحقيق الاستفادة القصوى منها ضرورة التسريع أولا بوتيرة الإصلاحات وعمليات أعادة الهيكلة التي تم المبادرة بها في وقت سابق على تراجع الاقتصاد العالمي، كما يجب التركيز على الابتكارات التي من شأنها أن تضع المنطقة في موقع القيادة سواء من حيث الفكر أو السوق، وينبغي كذلك أن ينظر القطاع الخاص إلى حوكمة الشركات بوصفها قدرة مؤسساتية أكثر من كونها مطلبا تنظيميا.
وقال معاليه إن الوضع الاقتصادي الناجم عن مرحلة ركود الاقتصاد العالمي قد عزز الحاجة لانتهاج ممارسات حوكمة سليمة في مجال الأعمال، مشيراً إلى أن الأزمة العالمية قد كشفت عن أنها نتجت بشكل أكبر من إخفاق تطبيق حوكمة الشركات، أكثر من كونها ناتجة عن الافتقار إلى حوكمة الشركات، حيث إن اتباع تدابير وإجراءات غير ملائمة في إدارة المخاطر وإشراف مجالس الإدارات والبيئة التنظيمية تشكل عوامل كامنة أفضت إلى انكشاف الشركات والاقتصاديات على الأزمة وتداعياتها.
الموجة الثانية
وتابع المنصوري قائلاً يؤكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المنطقة تشهد الموجة الثانية من حوكمة الشركات، ففي المرحلة الأولى كان بالمقدور التسليط على الفرص الاستثمارية في المنطقة وخلق ظروف استثمارية وأسواق مالية مواتية وإرساء مقومات البيئة التنظيمية المتطورة، حيث تم فتح أسواق المال في المنطقة للاستثمارات الأجنبية، وجري كذلك وضع قوانين الحوكمة في مختلف أنحاء المنطقة، باستثناء قلة من الدول، وارتبطت أيضاً السياسيات الاستثمارية مع التنويع الاقتصادي وخلق الوظائف ونقل المعرفة وبناء القدرات المحلية، ومن ثم، فإن الخطوة القادمة سوف تختبر إمكانيات وجدوى التغير الذي أنجزناه.
وأستدرك معالي وزير الاقتصاد بقوله: يتابع العالم عن كثب منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها منطقة حيوية لإعادة تنشيط واستدامة النشاط الاقتصادي العالمي. حيث تشغل دول المنطقة عالميا مكانة الصدارة في نمو الناتج المحلي الإجمالي وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر فعلي سبيل المثال، قيم تقرير صادر مؤخرا عن صندوق النقد الدولي بأن الناتج المحلي الإجمالي لدول منطقة الشرق الأوسط سوف ينمو بمعدل 5.1% مقابل نمو نسبته 2.3% في الولايات المتحدة.
وخلص المنصوري إلى القول بأنه يجب على دول المنطقة أن تتحرك قدما، وأن تظهر أطر العمل التنظيمية والمؤسسات في المنطقة نجاحا واضحاً في الامتثال للحوكمة، وأن تقنع مجتمع الاستثمار العالمي برؤيتها في هذا المجال، وذلك حتى يكون في مقدورها أن تحافظ على تنافسيتها الاستثنائية في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث توجد ثمة روابط قوية بين الاستثمار الأجنبي المباشر وحوكمة الشركات.
ومن جانبه، قال الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي إن كلا من الأعمال العائلية والمشروعات تشكلان عصب اقتصاديات منطقة الشرق الأوسط، حيث تستأثران بحصة نسبتها 90% من إجمالي عدد الشركات العاملة في المنطقة، وتسهمان كذلك بحوالي 70% من إجمالي فرص العمل، وبالتالي، تبرز أهمية نمو هذين القطاعين لحل مشكلة البطالة المزمنة، حيث من المتوقع أن تحتاج المنطقة إلى توليد 100 مليون فرصة عمل خلال العشر سنوات المقبلة.
ولفت إلى ضرورة تأسيس بورصة أسهم تلبي احتياجات وطموحات الشركات العائلية، إذ أنه قد جري تصميم بورصات الأسهم الحالية بما يجعلها مناسبة للشركات الكبيرة، ودعا ناصر السعيدي إلى تأسيس سوق الدرجة الثانية للشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تصبح قوة محركة لتطوير سوق مال يتميز بمستويات سيوله تتيح توفير التمويل الطويل الأجل، مؤكداً أن تأسيس سوق الدرجة الثانية من شأنه أن يسهم في تطعيم مثل هذا القطاع المهم من الاقتصاد بمعايير وتطبيقات الحوكمة.
وشدد السعيدي على ضرورة أن يكون هناك فصل واضح بين الملكية والتنظيم فيما يتعلق بالشركات الحكومية، وتحسين مستويات الشفافية والمسائلة، وقال إن تحدي الموجة الثانية للحوكمة يكمن في التنفيذ، وهو التحدي الأكثر صعوبة، حيث من وضع مرشدات للحوكمة الجيدة أيسر بكثير من تأسيس ثقافة حوكمة الشركات الذي يتطلب عملا جماعيا من قبل ثلاثة أطراف معنية، وهي الشركات والجهات التنظيمية والمستثمرين.
