رحلة عبر التاريخ تسرد حكايات تفوح عطراً وتراثاً

سوق بر دبي.. إشراقة الأجداد التي لا تغيب

هل تريد أن تعرف أسرار مدينتك التي «دوّخت» العالم بأحدث وأفضل وأكبر الإنجازات؟ هل ترغب في معرفة سر التعايش بين مختلف الجنسيات والثقافات التي تقطن فيها، هل سألت نفسك يوماً لماذا يسكن الأمن والأمان في هذه الإمارة الفتية؟ رحلة في الصباح إلى زمن قديم لا يزال يحتفظ بأصالته، يروي ظمأك ويشبع فضولك.

هنا سوق بر دبي ذو الإطلالة الفاتنة على الخور، تحفة فنية، تعزف لحناً فريداً لسيمفونية تمزج بين الماضي والحاضر، وتروي آلاف الحكايات عن سِيَر الأجداد. هنا كانوا يجلسون، يتسوقون، يتسامرون، ولا تزال الأمكنة معطرة بطيب ذكراهم.

يقولون في الأمثال «اللي ماله أول ماله تالي» وهنا، حيث السوق، تجد الأول دائماً وأبداً؛ فلم تذب المعالم القديمة مع طوفان الحداثة وتطورات المدينة التي لاتزال تبهر العالم كل يوم. هنا كان موطن الأجداد. يجلسون، يتسوقون، يتسامرون، ولاتزال نكهة حكاياتهم تفوح بين دروب الأزقة، وفي زوايا المحلات.

«أحب أن ألتقي الزوار والسائحين في الصباح الباكر ليتعرفوا إلى عادات وتقاليد الإمارات في حي الفهيدي القديم عبر رحلة مشي في دروب التاريخ» تقول هبة عيسى، مرشدة سياحية، وتضيف: «أعرفهم فيها بعاداتنا وتقاليدينا وكيف كان أجدادنا يعيشون في الماضي».

ممرات ضيقة، محلات صغيرة، أبواب خشبية، عربات بها شتى أنواع البضائع؛ توابل، أقمشة، تحف، أنتيكات. نتوقف أمام الأثواب المزركشة فنشمّ عبق الماضي يفوح من بين خطوطها وتطريزاتها.

يحل الصمت فجأةً في المكان إلا من صوت راجو، بائع العطور، الذي يترنم بجمال بضاعته، نقترب منه فيخرج لنا حقيبة مليئة بالورود. ويقول: «هذه هي الأغلى في السوق.. أحتفظ به في مكان خاص، ولا أعرضها إلا لزبائن معينين». يودعنا بطريقته الخاصة قائلاً: «صباح الخير دبي».

ننظر إلى أعلى المحلات القديمة فنجد أبراج الهواء التراثية «البراجيل» تعلوها؛ نسأل عن سرّ وجودها إلى الآن؛ فيجيبك أحد التجار مشيراً إلى إحداها: «نكيّف متاجرنا على طريقة أجدادنا الأوائل».

على الرغم من صغر حجم المتاجر، فإنك تجد كل ما تشتهيه، يقول محمد، إيراني الجنسية، 50 عاماً: «أبدأ عملي باكراً بعد صلاة الصبح مباشرة. أنا هنا منذ 30 سنة، وكل الهدايا التي أقدمها لأولادي اشتريها من السوق، وبأسعار أقل بكثير من الأسواق الأخرى».

«أنا أعشق هذا المكان، ففيه كل البدايات الجميلة التي يأخذك الفضول إلى معرفتها»، يقول كومار، فيما يراقب الحمام الذي يتهادى برشاقة في ساحة المكان. كومار يحب ممارسة التأمل وخصوصاً في فترة الصباح، حيث طيور النورس تزين سطح الماء في مشهد تعبيري أخاذ، «مشاهد الشروق في السوق لا مثيل لها»، يقول وهو ينثر في الهواء حبوباً اشتراها للتو لإطعام الحمام وطائر النورس.

مع تباشير الصباح الذي ينثر عبير التسامح في المكان، ليس غريباً أن تستمع إلى آيات من الذكر الحكيم من صوت مذياع أحد المتاجر ليتبارك به في بداية يوم جديد، فيما تذهب ناليتا، هندية، إلى ممارسة طقوسها الخاصة: تقول: «أرافق ابني إلى حافلة المدرسة، وبعد ذلك أذهب إلى ممارسة معتقداتي بكل حرية، فالكل هنا يعيش في ودّ وسلام».

من السوق إلى العَبْرة؛ رحلة بحرية قصيرة تستطيع من خلالها الاستمتاع بمشاهدة أبرز معالم المدينة «أنا منبهر بهذه النزهة البحرية التي لا تكلفني إلا درهماً واحداً. في أحيانٍ كثيرة أصطحب أصدقائي إلى هنا ونقطع الرحلة ذهاباً وإياباً في مرات عديدة»، يقول إيمانويل، من الكاميرون، ويضيف «الصباح في سوق الفهيدي له نكهة خاصة، حيث الهواء النقي وتغاريد الطيور».

عند العودة نستسلم لجمال وهدوء المكان يستقبلنا كريم صاحب، بائع السمبوسة، بابتسامة «أشهى سمبوسة يمكن أن تتذوقها في دبي كلها لن تجدها إلا هنا.. أتعرفون لماذا لأنها معجونة بتوابل الأجداد» يقول ونحن نلتهم الواحدة تلو الأخرى ونتلذذ بطعمها الطيب.

يلوح لنا محمد خان، سائق العبرة، مودعاً على أمل العودة مرة أخرى.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon