الإنتاج والتجارة الخارجية للتغلب على العزلة السياسية الدولية

كوريا الشمالية.. تحولات عصرية وإفرازات

على مدار عقد الستيــنيات من القرن العشرين، ظلت الصـــحف الصــادرة بالعربية تنشر إعلاناً مدفوعاً على صفحة كاملة. الإعلان كانت تتصدره صورة صارت مألوفة لقراء تلك الأيام، إذ كــانت التعريف أو كلام الصورة طبقاً للمصـــطلح المتداول في لغة الصنعة.. يقول بما يلي: كيم إيل سونغ: الزعيم المحـــبوب من 40 مليون كوري.

الزعيم المذكور كان يطل على الناس في حلّة شبه عســــكرية، وكانت أقرب في الشبه من زيّ الزعيم الصيني الأشهر ماو تسي تونغ. أما الأربعــــون مليون كوري فكان الناس يعرفون أنهم سكان الأجزاء الشمالية من شبه الجزيرة الـــكورية، الواقعة بداهة في الأصقاع الأقـــصى من تلك المنطقة - بما يجاور الكيان الآسيوي الأكبر مساحة والأوسع نفوذاً، وهو جمهورية الصين الشعبية.

وظل الزعيم كيم إيل سونغ يحكم كوريا الشمالية حتى وفاته في عام 1994. وبعدها حكم في العاصمة بوينغيانغ نجله كيم يونغ إل، حتى رحيله في عام 2011، ومن ثم تسلّم مقاليد الحكم حتى الآن زعيم البلاد الحالي كيم يونغ أون، الأقرب إلى الجد المؤسس للدولة الكورية المذكورة. ومن ثم لا يزال مراقبو الشأن الكوري - الآسيوي يخلعون على الحفيد لقباً له أكثر من دلالة وهو «كيم الثاني».

ويبدو من المهم مطــالعة كتاب صادر بشأن كوريا الشمالية.. واقعها وآفاق تطوراتها، يحمل العنوان التالي: بلد مقدام: كوريا الشمالــية في الاقتصاد العالمي، للباحث الأميركي الشاب جوستن هاستنغز، الذي لا يتوقف كثيراً عند الجوانب السياسية أو الأبعاد العقائــدية، لا على مستوى الحزب الحاكم ولا صعيد الدولة ولا حتى ما يتعلق بالأيدولوجية السياسية التي استقيت في أصولها من الفكر الماركسي الشيوعي، ولكن في طبعته الآسيوية كما قد نقول.

مؤلف كتابنا تعنيه بالدرجة الأولى وبشك موسع، الأبعاد الاقتصادية من نشاط كوريا الشمالية، إنه يسلّم بدايةً بما تعانيه بيونغيانغ من عزلة سياسية، لا في موقعها الآسيوي وحده، ولكن على مستوى العالم بأسره. وهنا يُلمح الكتاب إلى أن الصين تعدّ من حيث الجوهر جاراً متفاهماً مع كوريا الشمالية، إن لم يكن حامياً لكيانها على نحو أو آخر.. وعلى الجانب الآخر، تناصبها العداء المباشر الصريح، كل من كوريا الجنوبية التي تربطها علاقات سوبر- ودية مع أميركا من جهة، فيما تقوم علاقات إيجابية ومثمرة للغاية بينها وبين معظم دول العالم، بفضل ما أنجزته «سيئول» الجنوبية من نجاحات في مضمار التصنيع والتثقيف والعمالة على السواء.

أما في اليابان، ومعها الفلبين، فثمة هواجس تراود كلاً من طوكيو ومانيلا إزاء خطر كوري شمالي محتمل، فما بالنا عندما يكون تهديداً نووياً بكل ما تعنيه الكلمة من كوارث.

من هنا اختار مؤلف الكتاب أن يركز، كما أسلفنا، على الجوانب الإنتاجية والأبعاد الاقتصادية في تجربة كوريا الشمالية، موضحاً أن «بوينغيانغ» اختارت من جانبها أن تركز جهودها في مجال الإنتاج، وفي ساحة العلاقات الدولية على ممارسات التجارة الخارجية في جهد مركّز ودؤوب للتعويض عما تعانيه من عزلة سياسية على الصعيد العالمي.

لا يتورع مؤلفنا عن الحديث بشأن الأساليب التي يرى أنها قد اتُبعت على يد عناصر ومندوبي كوريا الشمالية، خلال مراحل الشَظَف التي أعقبت انقطاع معونات السند السوﭭيتي الذي كان. ويقول المؤلف إن شركات التجارة وعناصر البعثات الخارجية التابعة لكوريا الشمالية مارست أنشطة شتى، بعضها كان مشروعاً وبعضها الآخر كان يشمل مثلاً تهريب الأسلحة والاتجار في أنواع مزيفة من ماركات السجائر، بل يضاف إلى ذلك مخدر الهيروين!

وبالإضافة إلى هذه الأنماط من النشاط التجاري، كان هناك، كما يضيف الكتاب، تلك الجهود التي شهدت تقديم كوريا الشمالية معلومات تكنولوجيا الصواريخ إلى باكستان التي قدمت في المقابل، كما يؤكد الكتاب أيضاً، تكنولوجيا الأسلحة النووية إلى الجار الكوري.

بل إن دبلوماسيي كوريا الشمالية وممثليها في أقطار أوروبا لم يتورعوا عن بذل جهودهم في السر والعلن، من أجل الحصول على المعدات اللازمة للبرنامج النووي لبلدهم الغريب المعزول. وتم ذلك بالذات عن طريق التواصل -يضيف مؤلفنا- مع شركات متخصصة في كل من ألمانيا وأستراليا على وجه الخصوص.

على الضفة المقابلة من طروح هذا الكتاب، لا يفوت المؤلف تسجيل ملاحظاته التي يرى فيها أن كل هذه الإنجازات (في مجال تكنولوجيا التسليح بالذات)، إنما تحققت -في تصوره- على حساب جماهير الشعب في كوريا الشمالية، وهي الجماهير التي حاول أن يرصد تحركاتها وسلوكياتها، وخاصة إِقدامها -كما يقول- على اتباع سبل التهريب عبر الحدود الصينية، وهو ما أسهم في خلق تيار من فساد صغار المسؤولين، كما يراه مؤلف الكتاب، الذي يشفع تصوراته هذه بأحكام يذهب في سياقها إلى أن كوريا الشمالية -الدولة الستالينية.. كما يسميها- تجمع حالياً بين سلوكيات فاسدة في الداخل وبين اقتصاد يحقق نجاحات لا سبيل إلى إنكارها في خارج الحدود.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon