صحفي أميركي يسرد وقائع رحلته بين مساجد البلاد وكنائسها ومعابدها

«عودة الدين إلى الصين»..حقائق ومشاهدات

صورة

«المسيرة الكبرى» هي تلك التي قادها زعيم الصين التاريخي ماو تسي تونغ (1893- 1976)، عبر أرجاء مناطق الغرب من الصين، وعلى طول الأشهر الصعبة الممتدة بين عامي 1934 و1935. وهناك قطع الزعيم ماو ورفاقه وأتباعه مسافة لا تقل عن 9 آلاف كيلومتر في تلك الفيافي والأصقاع، ومن ثم كانت تلك التجربة الصعبة إرهاصاً بالنجاح في تشييد صرح دولة الصين الشعبية في عام 1949.

شاءت حظوظ الجمهورية الآسيوية الجديدة أن يشيدها زعماؤها على أساس العقيدة السياسية الماركسية، وكان يجسدها بداهة الحزب الشيوعي الصيني الذي عمد -للأسف- إلى نفي الدين من حياة جماهيره في ظل الوهم التاريخي الذي أشاعته أفكار كارل ماركس (1818- 1883).

وظل المراقبون والمحللون السياسيون يرصدون أحوال الصين في ظل قيادة «ماو»، ليخلصوا إلى أن تلك «الصين» عاشت عبر سنوات العقدين الخمسيني والستيني، مجردة من العنصر الروحاني بعد استبعادها لعوامل العقيدة الدينية.

وقد عاشت الصين بعد رحيل ماو وقيادة خليفته البارع دنغ ساو بنغ، تنفض عن نفسها وعن حياتها وأفكارها ومسيرة نموها، دعاوي «ماو» وحقبته التي كانت دموية في بعض الأحيان.

وعندما حلت تسعينيات القرن الفائت، كانت الصين قد حطمت عزلتها السياسية- الاقتصادية، التي طالما احتجزتها خلف سور الصين التاريخي العظيم، إلى حيث باتت ﺒﻳﭽين: العاصمة.. الدولة.. الزعامة والأيديولوﭽية، تستشرف الآفاق الأرحب والأفضل، من أجل تصحيح الأخطاء وإقالة العثرات. وفي غمار هذه الجهود عمدت صين- التسعينيات من القرن الماضي وما بعدها، إلى محاولة استعادة الأبعاد الروحية في حياتها ومن تراثها التاريخي العريق.. وهو ما يمكن تلخيصه في عبارة موجزة وموحية أيضاً، وهي:

• عودة الدين بعد ماو. وهي العبارة ذاتها، التي عمد إلى استخدامها الكاتب الصحفي الأميركي إيان جونسون، ليحكي عن مضمون كتابه» عودة الدين إلى الصين». فكان أن اختارها على غلاف كتابه الصادر تحت عنوان يحمل بدوره معاني بالغة الدلالة. والعنوان الرئيسي للكتاب يمكن ترجمته على النحو التالي: النفوس- الأرواح الصينية. أو: الأبعاد الروحية للصين.

والحقيقة أن المؤلف لا يذهب في التصور عَبر فصول الكتاب، إلى أن صين- القرن الواحد والعشرين- قد عادت إلى اعتناق واحد من الأديان السماوية المتعارف عليها: العودة هنا، كما رصدها وتدارسها كتابنا، هي إلى استعادة الأبعاد الروحية إلى «نفوس» قطاعات شاسعة من سكان البلد الآسيوي الكبير..

وهي أقرب إلى التذكير بأن تراث الصين العريق ممتد قروناً طويلة موغلة في أسفار الزمن- إذ كانت بلداً حافلاً بالفلسفات والطروحات والعقائد والديانات التي بات من الصعب إسقاطها أو إنكارها أو تجاهلها.. ناهيك عن إلغائها من حياة الجماهير. حتى ولو جاء مثل هذا الإلغاء على يد زعامات تاريخية شديدة الحزم إلى حد القسوة الديكتاتورية على نحو ما فعل، أو حاول أن يفعل ماو تسي تونغ.

ويوضح مؤلفنا أنه بعد قرن أو نحوه في عمر الزمان المعاصر، من الحملات العنيفة المناهضة للعقائد الروحية وللأديان، تحولت الصين إلى حيث باتت تشهد في الوقت الراهن ما يصفه إيان سميث بأنه أعظم حالات الانبعاث الروحاني.

ويؤكد ذلك ما أصبحت تشهده الأصقاع الصينية في الحواضر والأرياف من صروح روحية جديدة تتجلى في المعابد والكنائس والمساجد، فضلاً عن انتشار النِحَل والمذاهب، فيما لا يخفى أيضاً أن كثيراً من المشتغلين بالسياسة في سعي دائب حالياً من أجل استثمار، وربما استغلال هذا النزوع الروحي المستجد على حياة الصين من أجل تحقيق أهدافهم، وأحياناً أطماعهم، في مضمار السياسة والمناصب والعمل العام.

الكتاب: عودة الدين إلى ربوع الصين

إعداد: إيان جونسون

الناشر: مؤسسة بانثيون

الصفحات:

480 صفحة

القطع: المتوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon