تخبط كارثي تؤججه الصراعات السياسية والفساد والإرهاب

الصومال بين الدمار والخلاص

مساحات شاسعة في الصومال، من السهول المنبسطة تقارب السبعمئة ألف كيلومتر مربع.. وهي تطل على مسطحات شاسعة بدورها، من مسطحات المياه الواقعة ما بين خليج عدن ونهاية البحر الأحمر.. ثم ساحات المحيط الهندي.

تاريخها المعروف والمحسوب يرجع إلى القرن السابع الميلادي. أما حيثية تاريخها من حيث السيطرة الأجنبية وحقبة الاستغلال الخارجي، فهي ترتبط بوجود بالأدق إغارة - قوى الاستعمار القادمة من أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث جاء الإنجليز في عام 1887. ثم جاء الإيطاليون في عام 1889.. إلى أن نالت استقلالها في عام 1960 للميلاد.

الصومال بلد شاسع الأرجاء.. يجمع في تراثه ومعايِشه وثقافة سكانه بين مؤثرات شتى، ولدرجة متعددة الأبعاد: البعد الأفريقي من حيث الموقع، والبعد الوطني الصومالي من حيث التوجهات المعاصرة، والبعد الإسلامي من حيث عقيدة الغالبية العظمى من السكان، فضلاً عن البعد العروبي من حيث الخطوط السياسية والانتماء إلى جامعة الدول العربية.

مع ذلك.. فلا يزال الصومال يعاني من الازدواجية: الإيجاب والسلب في آن معاً: هو رقعة ثمينة من أرض المراعي الخصيبة بفضل المعدلات الثرية من هطول الأمطار، ما يجعل الصومال من أوسع وأخصب المراعي في طول إفريقيا وعرضها، فضلاً عن كثرة وتنوع سلالات الحيوان، كما أنه في مقدمة منتجي أفخر أنواع الموز في العالم.

لكن، وفي جانب السلب الخطير والمريع أيضاً، فلا تزال أرض الصومال مهددة بآفة الإرهاب الخطير والمنظم، متمثلاً في فلول عصابات «الشباب» التي أهلكت الحرث والنسل حتى كتابة هذه السطور. وفي ضوء هذه المعادلة المتناقضة بين السلب والإيجاب.. لا يزال الصومال يستأثر باهتمامات الدارسين والمحللين بل والمغامرين على حد سواء.

تلك هي الأوضاع التي يصفها المحلل الإعلامي أندرو هاردنغ في العنوان الفرعي الذي اختاره لأحدث كتاب قام بإصداره. والعنوان الفرعي يمكن ترجمته على الوجه التالي:

• الصومال: بين الدمار والخلاص. أما العنوان الرئيسي للكتاب فهو: عمدة مقديشيو.

ولعل أهم ما يميز الكتاب، أن مؤلفه لم يلجأ إلى مكتبات المراجع ولا وثائق المستندات، بقدر ما جمع مادة الكتاب من خلال خبرة ميدانية من معايشة واقع الحياة اليومية في«مقديشيو»- عاصمة الصومال، فيما أدار حوارات ومقولات، ومن ثم جاءت بيانات وحقائق الكتاب من خلال التركيز على الشخصية التي اتخذها محوراً لكتابه، متمثلة في عمدة العاصمة الصومالية أو رئيس بلديتها على امتداد الفترة 2010- 2014.

يطالع القارئ أولى ملاحظات المؤلف، التي يوضح فيها أن الصوماليين درجوا على إطلاق أوصاف أو تسميات على بعضهم البعض، تجمع بين طرافة الصياغة ودقة التوصيف.

ومن ذلك: حكاية السيد محمد.. «طرزان» عمدة العاصمة. لهذا فقد ظلوا ينطقون اسم عمدة العاصمة على النحو التالي:

محمد «طرزان» نور.

ومن خلال هذه الشخصية يمضي مؤلفنا ليعرض ما يحفل به المشهد الصومالي الراهن من صراعات الساسة، وآفات الفساد السياسي ومواجهات الحكم ضد إرهاب عصابات «الشباب» التي لا تزال ترفع شعارات «الجهاد الإسلامي»، فضلاً عما لا يزال يراود جماهير الصومال من آمال عراض في حياة تنعم بقدر معقول من الأمان والسكينة والتطلع إلى مستقبل أفضل، ولو نسبياً، لصالح أجيال الأبناء والأحفاد.

وفي السياق نفسه، يتوقف مؤلف الكتاب عند ما يطلق عليه الوصف التالي: تأثير «الدياسبورا». ومعناها: تيارات التأثير المرتبطة بجموع الصوماليين المهاجرين والمقيمين خارج وطنهم الأم وعبر أقطار شتى، ما بين أوروبا وإلى الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

تأثير الدياسبورا أمر محسوس في مرافق الحياة الصومالية على نحو ما رصده المؤلف، وخاصة ما يتعلق بالتحويلات المالية القادمة من تلك المهاجر الخارجية، كي تصب في شرايين الاقتصاد الوطني الصومالي، ولعلها تخفف إلى حد ما من صعوبة الحياة في البلد الإفريقي شاسع الأرجاء. ويرصد الكتاب عنصراً آخر يتمثل في تأثير وشائج الانتماء العشائري والارتباطات القَبَلية والعائلية، بكل ما يترتب عليها من واجبات والتزامات في شتى جوانب الحياة في الصومال.

ويتابع قلم المؤلف في مسار دراسته، أوضاع وسلوكيات عمدة مقديشيو الذي أضفى عليه مواطنوه - كما ألمحنا-، لقب «طرزان». وفي هذا السياق يكاد القلم يتحول إلى ريشة رسام يصور هذه السلوكيات النابعة من شخصية «محمد طرزان نور» العائد إلى عاصمة بلاده بعد سنوات أمضاها في لندن.

وخلال فترة رئاسته في العاصمة مقديشيو، ترصد تلك الريشة مراوحة سلوكية كما يوضح المؤلف-، بين الجسارة التي يتحدى فيها العمدة غوائل الإرهاب الأسود المسلح، من دون أن تتجاهل ريشة مؤلف الكتاب متابعة ما يتردد في شأن عمدة مقديشيو من انحرافات الفساد التي ظل يشكو منها عامة مواطنو الصومال.

ومن هنا يكاد المحللون يجمعون على أن أهم ميزات هذا الكتاب، أنه يجمع بين أسلوب الوصف الدرامي في تفصيل جوانب الحياة في بلد إفريقي يعاني كابوس الإرهاب المنظم والمسلح، وبين أسلوب السرد التحليلي الناتج عن الدراسة المتعمقة التي اضطلع بها المؤلف بشأن جوانب ومرافق الحياة في الصومال.

وقد عمد المؤلف إلى اتخاذ سيرة «محمد طرزان نور» بوصفها أداة طيّعة لسبْر الأغوار التي تكتنف حياة الصومال، بوصفه بلداً يدفعه الطموح المشروع إلى الأفضل لأرضه ولشعبه ولقارّته، فيما تستبد به تيارات العنف وآفات الإرهاب التي لا تتردد في استغلال شعارات الدين، في حين أن الدين بريء من هذا كله بطبيعة الحال.

الكتاب: عمدة مقديشيو..الصومال بين الدمار والخلاص

إعداد: أندرو هاردنغ

الناشر: مطابع سان مارتن

الصفحات:

296 صفحة

القطع: المتوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon