من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

كان ذلك في أوج «اشتعال» الحرب «الباردة» كما كانوا يسمونها. «اندلعت» تلك المواجهة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وبلغت أكثر من ذروة لها مع سنوات عقد الخمسينات حيث كان كل من الخصمين الأميركي والروسي- السوفييتي يتربص بالآخر.

فيما كانت كل من الغريمتين: واشنطن وموسكو، تجهد من أجل أن تجتذب إلى معسكرها تلك المجموعة من الأقطار والشعوب التي حملت مع عقديْ الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20، وصف شعوب «العالم الثالث»، وقد رفعت في تلك الأيام شعار «الحياد الإيجابي وعدم الانحياز».

هذه الحرب الباردة شهدت، أو عاشت، ثلاثة تواريخ مازالت مسجلة وحافلة بالدلالات في دفتر هذا الصراع السياسي- الأيديولوجي بين المعسكرين:

• التاريخ الأول في عام 1957 الذي شهد إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر اصطناعي رائد في استكشاف، أو غزو الفضاء الخارجي. وكانت تلك «ضربة معلّم»، كما نَصِفها، لصالح القطب الروسي - السوفييتي.

• التاريخ الثاني في عام 1972 وقد شهد توقيع أول اتفاق للحد من الأسلحة الاستراتيجية في إطار ما كان يُعرف أيامها بأنه اتفاق ودّي بين الطرفين.

• التاريخ الثالث جاء بعد سابقه بعشرين عاماً أو أقل قليلاً. وكان تاريخاً مشهوداً بكل المقاييس: الفترة 1990- 1992، هي التي شهدت تصدّع ومن ثم تهاوي بل وزوال، الكيان السوفيتي من أساسه وبأكمله.

هذه التواريخ والأحداث والتطورات هي الموضوع الذي يعرض له الكتاب الذي نصاحبه في هذه السطور. وقد كتبه دبلوماسي أميركي محترف وخبير بالشؤون السوفيتية التي ظل متخصصاً فيها إضافة إلى تخصصه في شؤون منطقة البلقان. وكما دام هذا التخصص نحواً من 27 سنة وهو ما يضفي على كتابنا قدراً لا ينكر من الأهمية والمصداقية.

المؤلف هو الدبلوماسي الأميركي المتقاعد لويس سلْ، والذي أصدر كتابه تحت العنوان التالي: العلاقات الأميركية - السوفييتية وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ولن يفوت القارئ للوهلة الأولى، أن يلاحظ ما احتوته صورة الغلاف التي يظهر فيها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ومعه الرئيس السوفييتي - الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف.

بل لا تزال الذاكرة المعاصرة تستعيد الجملة التي رددها أيامها ريغان مناشداً غورباتشوف. وكان الحديث بصدد سور برلين الذي كان يقسم العاصمة الألمانية إلى: شرق شيوعي تابع لموسكو وغرب هو ألمانيا الاتحادية الموالية للحلف الأورو- أميركي. يومها ارتفعت عقيرة ريغان قائلاً: مستر غورباتشوف.. حطّم هذا السور.

والحاصل أن تم تحطيم السور في صيف عام 1989. وكان ذلك إرهاصاً، بل إيذاناً بانهيار الكيان الذي ظل يحمل اسم الاتحاد السوفييتي على مدار 74 سنة من عمر القرن العشرين.

وكان من حظ مؤلف الكتاب أن يشهد من داخل موسكو وقائع هذا التحول، بل هذا الانهيار ومن ثم الزوال للكيان السوفييتي. بيد أن الكتاب تزداد قيمته من واقع ما دوّنه المؤلف من ملاحظات ظل يرصد من خلالها تطور الكيان الشيوعي المذكور، وقد دبت في أوصاله عوامل الوهن والارتباك وصولاً إلى النهاية، وهي عوامل ظلت تنخر في الجسد السوفيتي على مدار عشرين عاماً أو نحوها، يعني بدءا من حقبة ليونيد بريجنيف في عقد السبعينيات من القرن الـ20،.

وهي الحقبة التي عانى فيها الكيان السوفييتي ضروب الوهن السياسي والجمود الأيديولوﭽﻲ وتمسُّك قيادات الحزب والدولة في موسكو بمناصبهم، رغم التقدم في السن، فضلاً عن تحوّل الحزب من آلية للفكر الثوري والدفع الشبابي إلى حيث أصبح بدوره يعاني شيخوخة فكرية وعقائدية ومن ثم حركية في مرحلة كانت تشهد العالم الخارجي - أوروبا وأميركا فضلاً عن اليابان بل والصين - وهو يعبر من مرحلة الاتصالات الفضائية إلى مرحلة تكنولوجيا الحاسوب الإلكتروني، مروراً.

كما هو معروف- بالحركات الثورية للشباب، في فرنسا وغيرها مع أواخر ستينيات القرن الـ20، المطالبة بالتغيير في النظم والأفكار والمعتقدات السياسية. هنا يتوقف المؤلف عند عام 1993 والذي شهد إعلان القيادة الجديدة في موسكو أن الاتحاد- الروسي (الاسم الجديد بعد السوفيتي طبعاً) لا يرى أن هناك أي دولة معادية له. ويومها بدت روسيا الجديدة وكأنها على أعتاب مرحلة تحول إلى الديمقراطية.

بل يلاحظ المؤلف كيف أن الحرب الباردة قد لقيت نهاية مفاجئة وربما لم يحسب حسابها أحد. وكانت نهاية تنطوي على قدر لا ينكر من المهانة لروسيا ولدرجة أن عجز الغرب، في تصور المؤلف بقدر ما عجزت روسيا التسعينيات ذاتها عن التماس السبيل الذي يحفظ على الكيان الروسي المستجد كرامته أو كبرياءه، خاصة في ظل رئاسة يلتسين التي افتقدت.

كما ألمحنا إلى قدرة الحفاظ على ما تبقّى من كرامة موسكو.. وكان أن فشلت معظم هذه الشخصيات في الارتفاع إلى مستوى طموحات الشعب الروسي على مدار العقد الأخير من القرن الماضي، فيما نلاحظ في هذا السياق أن المؤلف استطاع أن يوثّق الآراء والملاحظات التي أبداها من خلال ما أمكنه الاطلاع عليه، بحكم موقعه الدبلوماسي في موسكو من ملفات أرشيف المحفوظات الروسية، لا سيما وأن تلك الفترة من التذبذب وعدم اليقين، التي أعقبت انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي.

فضلاً عما اتسمت به الفترة المذكورة من حالات التخبط بل والفشل في إدارة روسيا الاتحادية، هي نفسها التي فرضت ضرورة اللجوء إلى قيادة أكثر حزماً وربما أكثر كفاءة وأعمق وعياً بأبعاد المشهد الدولي.. وهذه القيادة تجسدت مع مطلع القرن الجديد في شخصية اسمها: فلاديمير بوتين.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon