مواجهة التخلّف والعادات البالية كانت الشغل الشاغل لطه حسين

«خطبة»..رسائل أدبية تنتصر للمرأة

صورة

خمس عشرة رسالة أدبية حبلى بالرؤى والأفكار الفريدة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين «1889-1973»، يشتمل عليها هذا الكتاب، إذ وجدت في دار الكتب والوثائق المصرية، وكان قد نشرها في مجلة السفور: بدءاً من العدد 72 الصادر في 20 أكتوبر 1916 واستمر ذلك إلى العدد 85 الذي صدر في 19 أكتوبر 1917. وتصدر هذه الرسائل مجتمعة، في الكتاب تحت عنوان «خِطْبةُ الشَّيْخِ» مع تصدير لوزير الثقافة المصري حلمي النمنم وتقديم د. جابر عصفور، اللذين استهلكا 38 صفحة من الخِطبة، أي نصف ما يُسمى رواية.

«خِطبة الشيخ»، كما اتُفق على تجنيسها بـ «رواية»، هي رسائل أدبية غير مكتملة لم نعرف بقية أخبار شخصياتها، وتمَّ تبادلها بين المعلِّمة إحسان ووالدها سيِّد رحمي، وبينها وبين صديقتها أسماء، وبينها وبين خطيبها الشيخ علام، وبين خطيبها وبين القاضي الشرعي الشيخ زهران. وفي الرسالة الأولى «من إحسان إلى أسماء» نقرأ: «لكِ العُتبى أيَّتُها الأُخت العزيزة، فقد أخلفتُ موعدك، أمس، وتركتُكِ نهبَ الانتظار من غير أن أقدِّمَ لكِ معذرةً واضحةً أو حجَّةً بيِّنةً على أني أُشهدُ اللهَ أني لم أفعلْ ذلك راضيةً به أو مختارة له وإنما اضطررتُ إليه اضطراراً...».

وتردُّ أسماء في الرسالة الثانية على إحسان: «دَعي ذِكرَ الخطأ والاعتذار، فما أعلمُ أنَّ بيني وبينك من الكلفة ما يحمِّلك هذه المشقَّة، ولكن افتحي لي قلبك وأظهريني على دخيلة نفسك...».

أما الرسالة الثالثة، فمن إحسان إلى أبيها، ومما جاء فيها: «والدي العزيز ستنكرُ كتابي وستتهمه بالفجَّة والجرأة، ولكني أتوسَّلُ إليك أن تضطلع الأناة في حكمك، وأن لا تظن بي الخروجَ عليك أو الخلافَ عن أمرك، إنما أريد أن أطيعك عن رأي البصيرة لا عن مخافة وخضوع.

خَطَبني إليكَ هذا الشيخُ فقبلتَ خطبته لأنَّكَ ترضاهُ لي بعلاً، وقد كان من الحق عليَّ أن أمضي أمرك من غير مناقشة ولا جدال، ولكنك علَّمتني حين أرسلتني إلى المدرسة أنَّ الزواج يمسُّ الزوجين قبل أن يمسَّ الأسرة، فلا جرمَ كان من حقهما ألا يقدما عليه إلا بعد روية لا تستحثها العجلة ورضا لا يشوبه الإكراه.لا أردُّ قضاءك ولا أعصى أمرك...».

والرسالة الرابعة هي من الشيخ علام الجيزاوي إلى إحسان، ومنها: «سيِّدتي الآنسة.. لو أنَّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلام والبحرُ يمدُّه من بعده سبعةُ أبحرٍ ما نفد شرفي بخطبتك، وفرحي بمكانتك، فقد زفَّ إليَّ سيِّدي والدُكِ حفظه الله رغبتكِ في مكاتبتي فملأ قلبي سروراً ونفسي غبطة...».

ووجهت الرسالة السادسة من أبي إحسان إلى ابنته، ومما تضمنته: «معاذَ الله يا بنتي أن أنكرَ كتابكِ أو أصفه بالفجَّة والجرأة، فما أرى أنَّكِ تجاوزتِ فيه القصدَ أو تعديتِ الحدّ.. خَطَبَكِ إليَّ فقبلت خطبته...".

ومما أتى في الرسالة العاشرة، وهي من الشيخ زهران فتح الباب إلى الشيخ علام الجيزاوي: «صديقي الفاضل.. السلامُ عليك ورحمة الله أما بعد: وصل إليَّ كتابك الكريم ويسوؤني أني لم أدرس في الأزهر الشريف...».

وفي العموم، نتأكد من خلال الرسائل تلك، مدى انفتاح عقل وتفكير طه حسين، فهو رجلُ فكرٍ وليس مُهرِّجَ بلاط، فالرسائل- تنتقص من شأن وقدر القوانين التي تقيِّد حياة المرأة. بل تسخر منها، وهو في هذه الرسائل -على بساطتها- يذهب إلى الفكر الذي يفضح جوهر الفعل اللا أخلاقي السائد، والمعلِّمة إحسان في رسائلها إلى صديقتها ووالدها وخطيبها، هي تناقش قضيتها كامرأةٍ كيف ستغرسُ العقل في كائنات تستعبد المرأة، والرجلُ قرين المرأة؟

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon