شخصيات مهمة في تاريخنا وُصمت بالجنون لعبت أدواراً مؤثرة

« المجنون» وصوره الأدبية في المتخيّل العربي

صورة

يرى الباحث العراقي د. وسام حسين جاسم العبيدي، في تتبعه للخيوط الفلسفية الأولى التي شكَّلت نواة البحث في ظاهرة الجنون، ضمن كتابه الذي يضم ثلاثة فصول، أنَّ هذه الظاهرة تعرَّضت للتهميش، ولمْ تلقَ الاهتمام نفسه الذي أوليَ لظاهرة العقل. وقد شكَّل مبحث العقل في الفلسفة القديمة موضوعاً متميِّزاً ينتمي إلى علم النفس القديم. إذ تجلَّى ذلك التبجيل للعقل بالصياغة النظرية للإنسان.

وبأنه، حسب ما نُقل عن أرسطو، حيوان ناطق/‏‏‏ أو عاقل، والعقل لا يعدو أن يكون مَلَكة التفكير المنطقي عند الإنسان. فمن هذا المنطلق يكون المجنون خارجاً عن شرط الإنسانية الأساس، وذلك بفقدانه العقل. ويشير المؤلف الى أن شخصيات تاريخية مهمة لعبت أدوارا مؤثرة، وصمت بالجنون.

وأما أشكال الجنون المختلفة، فهي، كما يقول المؤلف: جنون العظمة، الفصام، الهستيريا، الجنون الدوري أو الهوسي-الاكتئابي، الجنون السيكوباتي، النزعة الإجرامية. ويبين المؤلف أنه ارتبط الإبداع الأدبي منذ القِدَم بالسلوك اللاعقلاني الذي لا يقتصر على سلوك المرضى العقليين، بل يشمل كل سلوك مناقض له، كالسلوك الصادر من السكارى والمجرمين والمعتوهين والمجانين.

واحتلَّ المجنون مكاناً متميِّزاً في قضية الإبداع الأدبي. ونظر إلى الجنون في المجتمعات الإغريقية باعتباره ظاهرة مقدَّسة. كما أن الربط بين العبقرية والجنون يمكن أن يتم بأشكال متعدِّدة، فقد يربط بعض العلماء بينهما على أساس أنَّ بعض جوانب الجنون أو الاضطراب النفسي، سبب العبقرية.

ويربط البعض بينهما على أساس أنَّ مظاهر الاضطراب العقلي والنفسي عامة، إنما تنتج عن العبقرية وليس العكس، نتيجة احتدام الصراع بين العبقري وبيئته التي لا ترحم.

ويُعرِّف العبيدي لفظة الجنون بأنَّها حسب المعاجم، تدور حول محور واحد، هو الستر والإخفاء. ولذا أُطلق على (الجِّن) هذه التسمية. وقد سُمُّوا بها لاستجنانهم فلا يُرَوْنَ. فأصل المعنى هو الاستتار، وعلى هذا وردت في كلام العرب نثراً وشعراً. فمن الأوَّل قولهم: جنَّ الشيء يجنُّ جنوناً إذا استتر وأجنَّه غيره إجناناً إذا سترهُ. ومن الثاني قول لبيد:

حتى إذا ألقت يداً في كافرٍ

وأجنَّ عوراتِ الثُغورِ ظلامُها

ومن هذا المعنى، أطلق المسمى على من استتر عقله وغاض فيظهر عدم انتظام في سلوكه وأقواله، ولذا يسقط عنه التكليف ولا يؤاخذ بما يفعل. ويظهر أنَّ ما تبدَّى من سلوك المجنون قد أُسند إلى فعل غير الإنسان، فيُطلق تارةً على النبت، ويُقال جُنَّ النَّبتُ جُنُوناً إذا اشتدَّ وخَرَجَ زَهْرُهُ. ووُصفت بعض الأشجار إذا غلُظ عودها وعظم حجمها «فيُقال للنخل المرتفع طولاً: مجنونٌ..

وللنَّبْتِ المُلتفِّ الكثيفِ الذي قدْ تأزَّرَ بعضُهُ في بعض: مجنُونٌ». كذلك وُصِفت بهذه الصفات حيوانات، فالعرب تقول: ناقةٌ مسعورة: إذا كانت كأنَّها مجنونة من نشاطها. ثمَّ يشير الباحث إلى أنَّ صورة المجنون اختلطت بصورة الأحمق.

كما أن بعض المرويات لم تصرِّح كثيراً عن الحوادث التي اكتنفت هذه الشخصيات وما قامت به من أثر، بل إنَّها لم تنقل السبب الذي بموجبه أصبح المجنون مجنوناً، فقد اكتفت بنقل اسمه. وذلك مثل شخصية (دُقَّة) التي ضُرِبَ بها المثل في الجنون، فقيل: أجنُّ من دُقَّة.

كما أظهر الجاحظ في منظومته الخبرية، صورة للمجنون تبدَّت في شخصية الأعرابي الذي تغلَّبت طباعه الجافية على سلوكه.

الكتاب: صورة المجنون في المتخيَّل العربي/‏‏‏ دراسة

تأليف: د- وسام حسين جاسم العبيدي

الناشر: دار ابن النديم للنشر الجزائر- ودار الروافد الثقافية ناشرون بيروت 2016

الصفحات:

320 صفحة

القطع: الكبير

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon