«الذي تحدّى الإعصار» في مواجهة ألغاز الحياة والانتصار للجمال

يبلغنا نهاد شريف في عمله «الذي تحدّى الإعصار»، أن الفارق بين الحياة والموت، بين الوجود والعدم، خيط رفيع، والمهم في هذا الخيط أن يحوي جزءاً من ذاتك، كل ذاتك. لقد لفّ الظلام الحالك بطل الرواية، وأطبق الصمت على أنفاسه، اختلط عظمه بلحمه، وامتزجت خلاياه، انضغط كيانه كلّه وسجن داخل علبة من الحديد.

الرجل يمتهن تدريس الكيمياء العضوية والكيمياء الكهربائية، وخبرته تنصب على المواد المتفجرة، متزوّج ولديه طفلة، ولقد أغلق على نفسه باب معمله وانكبّ على تجربته، وعندما أخذ الحبة الوردية وألقى بها في الوعاء، بدأ بذلك الوميض يعمّ المكان، ويسيطر على المرئيات، فيغيب في الأعماق، لقد نتج عن انفجار المعمل أن احترق وجهه وبترت ذراعاه وإحدى ساقيه.

وأصيب بالعديد من الحروق الخطرة، امتدت إلى كلّ جسده، وفقد حواسه، فقد بصره وسمعه وقدرته على الشمّ والتذوق واللمس، وأيضاً قدرته على الكلام، لكن الشيء المذهل هو خفقان القلب.

عندما تخرّج في الجامعة ظل يطالع في الكتب الصفراء عن الظواهر الخارقة، التي تعلن عن وجود قوى خارقة فوق الطبيعة تنبثق من الكائنات الحية، وتتدفق من أعماقها، هذا ما وجده في كتب الجدّ التي تتناول بالعرض والتفسير ظواهر الأحاسيس والأفعال البشرية الخارقة، والتنبؤ والإدراك المسبق، والتحكم في أعضاء الجسم، إنها تناقش الخوارق البشرية كتحريك المادّة وإطلاق الطاقات الكامنة والتأثير بالخير والشر على الكائنات البعيدة.

مرّ على رقوده في الفراش، وعلى تكومه وتقييد خارجه المحترق بطبقات من الضمادات، وتقييد داخله بفقد كلّ اتصال له بالآخرين، لقد مرّ أربعة وأربعون يوماً.

بداية، راح يلتمس أماكن القوى الحيوية الكامنة في أعماقه ليحررّ عقله من عالمه المادي، بتخليصه من ارتباطه الجسدي ببقية ما يتصل به من خلايا وأعصاب وعظام، وهذا لا يكون إلا من خلال عملية تركيز عقلي عميق.. ويتذكر بعض الحوادث التي لها شأن في هذه العملية، كذلك يتذكر أباه وزوجته في عملية التركيز العقلي العميق، ويحرّك الطوب، ويخلط المدن، والقلم يكتب لنفسه، وأمّه، وابن الخالة والطبيب.

وهو في أثناء حالته هذه يلتقي بغريمه الذي يسيطر عليه شعور طاغ بالاستخفاف، فيجلس في حجرته ويمدّ يده فيمسك قلماً ويشرع في الكتابة.

وبشخصيات قليلة، استطاع المؤلف أن يجرنا إلى حادثة خيانة، واستطاع أن يظهر قوة الدماغ في حياتنا، فيجعله يسيطر عليها، إنّه في عمله هذا يخلق لغة جميلة تدور بين الشخصيات، فتنقل العمل إلى فضاء جديد، بعيد عن سيطرة الزمان والمكان، وتنبع قوّة رؤيته من تقديمه الأحداث الرهيبة في حدث صحفي.وإبداعه إيهاماً بالحقيقة مقنعاً بأنّ الأحداث يمكن أن تقع، فلا غرابة فيها، وهذا العمل ذو تأثير جمالي، واخز، في سياق عبث المشكلة وسحرها وارتباكها في مواجهة الألغاز واشتباك الحياة مع الموت في لحظة انكشاف الحقيقة.

المؤلف في سطور:

نهاد شريف: من مواليد الإسكندرية عام 1930، تخرج في كلية الآداب – جامعة القاهرة عام 1956، حاصل على ليسانس التاريخ، حصد العديد من الجوائز عن أعماله، وحولت إحدى رواياته «قاهر الزمن» إلى فيلم سينمائي، له مؤلفات كثيرة، أهمها: قاهر الزمن – الذي تحدّى الإعصار – الشيء – ابن النجوم.

- الذي تحدّى الإعصار «من الخيال العلمي».

- نهاد شريف.

- وزارة الثقافة – الهيئة العامّة السورية للكتاب – دمشق 2016.

- عدد الصفحات: 204 صفحات؛ القطع: 20 سم.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon