رسائل تتحدى صقيع الحزن والعزلة

ما وصلنا إلى اللغة العربية من أدب آيسلندا قليل، بخلاف بقية الدول الاسكندنافية التي تنتمي إليها هذه الدولة، فآيسلندا بلد تبلغ مساحته 103 آلاف كيلومتر مربع، ويقع على حدود القطب الشمالي، واسمه يعني «أرض الثلج»، وهذا وحده يشعرنا بالبرد، ولا يزيد عدد سكانه اليوم على 320 ألف نسمة. ويغلب التجمع السكاني في الجنوب والغرب نظراً لوجود براكين نشطة في الأماكن الأخرى.

وتتبدى سمة بارزة تميز مضمون الأدب الآيسلندي.. إذ يصطبغ بمفردات وجماليات الطبيعة الخلابة لهذا البلد الذي جعلت منه منابع المياه المعدنية الساخنة، وجهة جذب سياحي.. كما ويمتاز بوجود أنهار عدة تصب في البحر، ومن أهم مصادر الدخل الزراعة وصيد الأسماك. وقد توج الأدب الآيسلندي بفوز الروائي هالدور لاكسنس بجائزة نوبل في الأدب سنة 1955.

19

وتحكي لنا رواية «حزن الملائكة» قصصاً من حياة أولئك الناس الذين يعيشون هنا وهناك في تلك القرى المتناثرة وسط طبيعة قاهرة في القرن التاسع عشر، ويعانون بعد دفن مساكنهم في الثلج من صعوبة التواصل مع القرى الأخرى، بل وأحياناً، حتى مع جيرانهم الأقربين، فتراهم يرددون:

«شهور الشتاء الطويلة، عندما لا يكون لنا جليس غير النجوم وما بينها من ظلام والقمر الأبيض». وتكون رفقتهم في شرب القهوة، فالليل إلى جانب العزلة يوزع الأحلام والكوابيس. ولهذا فإن طقس وصول ساعي البريد يكون مبهجاً، ويضفي تغييراً على حياتهم.

«ينز»

كان ساعي البريد «ينز» قد كلـّـف بأكثر دروب البريد وعورة في البلاد، وعليه مواجهة المروج الوعرة والجبال في أسوأ الأحوال الجوية مع أجر ضئيل، وخلال السنوات الأربع الأخيرة كلـّـف هذا الطريق اثنين من سعاة البريد حياتهما، وهما فالديمير وبال. فالطرق جهنمية بعد تساقط الثلج المتواصل، والريح لا تلين.. ولا يخاطر في هذه الطرق سوى المسافرين ذوي الخبرة العالية.

وأصعب ما يواجهه السكان في مثل هذه الحالات هو موت أحدهم، لأن عليهم نقل الرفات إلى أقرب كنيسة وسط ذلك الجو الثلجي العاصف، وهو أمر يحتاج إلى جهود كبيرة حتى مع وجود الزلاجات لنقل الرفات.

ويمتاز ساعي البريد ينز بالضخامة والقوة، ولا يظهر عليه مشقة من حمل حقيبتين قد تصل إحداهما إلى عشرين كيلو غراماً، فيشق طريقه بجسارة، ولكن الثلج العاصف قد يجبره على خفض رأسه، وهو نصف أعمى من القشرة الجليدية التي تغطي وجهه، وقد يصل منهكاً.

كان على ينز الذي يستقل أحد القوارب مع حقائب البريد وبصحبة الفتى الذي عشق القراءة، أن يصل إلى أقرب شاطئ تفادياً للبحر الهائج والرياح القوية، وما كادا يصلان حتى تحطم قاربهما وكان لزاماً عليهما حمل الحقائب ومواصلة الطريق وسط الثلج إلى أقرب قرية من تلك القرى التي لا يصلها أحد في مثل هذه الأوقات، سوى ساعي البريد، بعد أن تبللت ثيابهما وحاصرهما البرد من الخارج وترك أوصالهما متيبسة.

حاولا أن يبقيا قريبين من بعضهما بعد أن مضى وقت طويل منذ أن تكوما تحت سقف يحميهما، ولكن العاصفة الثلجية تبعدهما.. ثم يلمحان معالم بيت، بل مزرعة مدفونة تحت الثلج، ويقودهما المزارع بيارني إلى الداخل، وسط نباح الكلب نيلمان وشدة الريح، إلى حيث العائلة والعيون الفضولية، يساعدونهما في التخلص من ثيابهما المبللة، يجففونها، ويطعمونهما.

كان هناك أربعة أطفال مع عامل المزرعة هيالتي، قبل أن يكتشفا وجود عجوز متهالكة تطلب القهوة بعد أن سمعت باسمها يتردد، كانت أم بيارني. حدث كل ذلك قبل أن يكتشفان موت آستا زوجة المزارع بيارني، كان ينوي نقلها في الربيع لتدفن إلى جانب كنيسة. ق

ال بيارني: «الرجل نصف رجل من دون زوجته.. تريد أن تدفن بأرض مقدسة لهذا سعت إليكما». هكذا وجدوا أنفسهم بعد حوار أن عليهم وضع جثمان آستا في التابوت فوق الزلاجة لنقله إلى أقرب كنيسة، خاصة بعد نوبة هدوء العاصفة، فقرروا أن يدفعوا الزلاجة إلى المرتفع وبعدها يعود بيارني للعناية بالأطفال وأمه.

هياج وخذلان

أربعة أفراد في حالة حركة، ثلاثة رجال أحياء، ينز والفتى وهيالتي، ورابعهم امرأة ميتة، لا شيء هناك سوى الجبال، والريح تعوي مجدداً، جاهدوا لتبقى أقدامهم ثابتة.. ولكن الريح عاودت تهتاج حولهم، والتابوت أمّن لهم حماية كافية حين يحتاجون للراحة، وحين وصلوا إلى جرف الجبل كان عليهم أن يجاهدوا أكثر ويحافظوا على التابوت.

ولكي لا يتهاووا مع ازدياد ميله، ولكن سرعان ما انزلق التابوت وهو فوق الزلاجة، واندفع الفتى ومعه هالتي وسط تسارع الزلاجة والتابوت نحو الأسفل..جرى الفتى لاهثاً، قفز فوق التابوت، سمع ضحكات آستا تملأ رأسه، قبل أن يتفكك التابوت، والفتى يمسك بحبل متجمد بيأس وغضب، وتوقفت المرأة عن الضحك.

وبدأت بالبكاء أسفاً على حياتها وأطفالها. قد يُعثر عليها في نهاية الربيع، حين يلمحون طائراً يحوم هناك، أو يسمعون أزيز الذباب، أو ترشدهم رائحة العفونة إلى الجثة.

بوق وبقايا

تبع ينز الفتى وهيالتي حاملاً حقائب البريد، نفخ بوقه البريدي مرات عدة، أراد أن يتجمعوا مجدداً، عثر على الفتى، وشاهد آستا مطمورة بالثلج قليلاً، ينظران إلى المرأة المتكئة على أحد جانبيها والمبتسمة بسخرية ولكنها لا تشعر بالبرد مطلقاً.

يعاود ينز النفخ في البوق لعل ثمة دلالة تنبئ عن هيالتي. يغرز ينز بقايا التابوت في الثلج قرب المرأة على أمل أن يساعد هذا في العثور على المرأة مجدداً، قبل أن يجدا السير مترنحين مع غضب الريح. يحاولان أن يكونا متجاورين، متماسكين، ولكن سرعان ما انزلقا نزولاً على ظهريهما، مثل أجنحة الملائكة، مثل حزن الملائكة، وعلا صراخهما خلال الليل والعاصفة، وارتطما بعنف بشيء صلب، واختفت الدنيا...

1963

يون كالمان ستيفنسن. كاتب آيسلندي من مواليد 1963. حائز على جائزة الأدب الآيسلندية. بدأ حياته شاعراً.

Ⅶرواية للأديب الآيسلندي ستيفنسن تصور صعوبات الحياة وسط الثلوج

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon