نظرة على صناع الأمل الخمسة وماذا قالوا؟

صورة

في ما يلي نظرة على صناع الأمل الخمسة الذين بلغوا التصفيات النهائية، وتم تتويجهم جميعاً صناعاً للأمل في الوطن العربي، من خلال مبادرات وحكايات التي يجمعها قاسم مشترك: قوة الأمل التي لا تُهزم.

نوال الصوفي .. حبل نجاة اللاجئين

تقيم نوال الصوفي في إيطاليا، التي هاجرت إليها مع أسرتها من المغرب قبل سنوات.

ورغم انخراطها في العمل الإنساني والمجتمعي منذ طفولتها، متشرِّبةً العطاء من والدها الذي كانت ترافقه لتقديم المساعدة للمهاجرين الجدد إلى أوروبا ومساعدتهم على التأقلم، إلا أن ما تقوم به اليوم بات عصب حياتها وحياة الآلاف ممن يعتمدون عليها، بعدما أصبحت حبل نجاة لآلاف اللاجئين الذين يركبون قوارب الموت لا يحملون معهم سوى الأمل ورقم موبايل نوال.. "الحقينا يا نوال".. "نحن في عرض البحر ".. "المركب لا تستطيع حملنا".. هذه بعض نداءات الاستغاثة اليومية التي تنهال على هاتف نوال النقّال، فقد بات رقمها صلة الوصل شبه الوحيدة بين اللاجئين الذين يتقاذفهم موج البحر وبين خفر السواحل الإيطالي، فتتواصل مع المستغيثين وتحاول أن تحدد مواقعهم قبل أن ترسل المعلومات اللازمة لخفر السواحل للتحرك باتجاه قوارب اللاجئين.

وكانت الأزمات في المنطقة العربية قد تسببت في فورة هائلة في أعداد النازحين واللاجئين من سوريا والعراق وشمال أفريقيا على متن قوارب الموت التي تشق البحر الأبيض المتوسط بثقل، ليتحول البحر إلى قبر عريض لا يكاد يمتلئ بالموتى حتى يفتح جوفه للمزيد، الأمر الذي جعل حياة نوال كلها تتمحور حول هؤلاء اللاجئين وكيفية التدخل لإنقاذهم من الموج الذي لا يرحم. وقد ساهمت نوال في إنقاذ أكثر من 200 ألف لاجئ، كما ساعدت الآلاف على التكيف مع واقع حياتهم الجديد من خلال تقديم كل أشكال المساندة لهم. بالنسبة لنوال، فإن البحر بما يلقيه من بشر يائسين يومياً بات عنوانها، وهاتفها هو حبل الإنقاذ الذي تمده لهم.

يوم تنجح نوال في إرشاد خفر السواحل الإيطالي إلى مكان سفينة تغص باللاجئين الذين تُركوا للمجهول، فتنقذهم في الوقت المناسب، تشعر بفرح غامر؛ ويوم يقذف الموج المقتنيات المتواضعة لأولئك ممن لم يرأف بهم البحر فابتلعهم وابتلع آمالهم، فإن قلبها يغص بالحسرات.

لكن نوال تعرف أن الأمل لا يموت، فلا تزال تقف عند الشاطئ في انتظار حياة تبحث عن أمل. ونوال خير من يصنع الأمل.

هشام الذهبي ..صاحب القلب الذهبي

تشكل تجربة هشام الذهبي من العراق نموذجاً لاحتضان الأمل وتنشئته في سنوات التكوين الأولى، أي في فترة الطفولة، فصناعة الأمل في الصغر وتعهده بالرعاية والسقاية يثمر عطاء وإبداعاً في الكبر، هذه هي الفلسفة التي تبناها هشام، يوم قرر أن يفتح بيته وقلبه لأطفال الشوارع في العراق، ليثبت للعالم أن هؤلاء الأطفال ضحايا وليس جناة. كان ذلك في العام 2004، حيث بادر هشام إلى إيواء الأطفال المشردين داخل بيت خصصه لرعايتهم. ولم يكتف بتقديم الرعاية النفسية والصحية والتربوية والتعليمية للأطفال، الذين أغدق عليهم حنان الأب، بل عمل على تطوير برنامج علاج نفسي لهم من خلال تنمية مواهبهم وتحفيز قدراتهم الإبداعية.

وكبر الحلم واتسع الأمل فأسس الذهبي، بدعم من بعض المتبرعين، "البيت العراقي للإبداع" لهؤلاء الأطفال، حيث تخرج منه 150 طفلاً مبدعاً وفناناً، وحاز خريجوه على أكثر من 50 جائزة عراقية و28 جائزة عالمية.

اليوم يؤوي هشام في بيته العراقي الدافئ 33 طفلاً، يطعمهم ويعلِّمهم ويروي لهم حكايات ما قبل النوم كأب شغوف بصغاره. بالنسبة له، هؤلاء الأطفال هم 33 حلماً جميلاً، ينتظرهم مستقبل واعد وآمال محققة. بفضل صانع أمل صاحب قلبي ذهبي كهشام الذهبي، ثمة أطفال في العراق ينامون وهم مطمئنون إلى أن غداً هو يوم آخر جميل.

معالي العسعوسي الهجرة إلى الأمل

لم تكن معالي العسعوسي، من الكويت، تتخيل أن حياتها سوف تُقلب رأساً على عقب، وأنها سوف تترك حياة الأمان والرفاهية وتهاجر إلى مكان يستشري فيه البؤس والفقر والأمية والمرض. حدث ذلك في العام 2007 حين سافرت إلى اليمن في مهمة عمل لدراسة تنفيذ مشروع جديد هناك.

كانت تلك أول مرة تزور فيها معالي اليمن؛ فصدمت لما شاهدته من بؤس وتردي في الأوضاع المعيشية، عندها أدركت أنها وجدت رسالتها في الحياة، فودعت حياتها السابقة بلا عودة، ودخلت معترك العمل الإنساني من أوسع أبوابه، بعدما اتخذت اليمن مستقراً لها، لتصبح البلاد بلادها وأهل البلاد أهلها. كان تعرف أن تحديات كثيرة كانت تنتظرها، لكنها كانت واثقة بأنها أهلٌ للتحدي، وأهلٌ لصنع الأمل.

في البداية، أسست معالي مبادرة "تمكين" التي سعت من خلالها إلى تحسين نوعية الحياة والارتقاء بالمستوى المعيشي للأسر الفقيرة هناك، مع التركيز على المرأة والطفل بالدرجة الأولى، كما دعمت تأسيس العديد من المشاريع التنموية غير الهادفة للربح. ثم انضمت إلى جمعية "العون المباشر" الكويتية لتدير عمليات الجمعية الإغاثية والتنموية في اليمن. عاشت معالي البؤس والفقر، ولمست حجم معاناة الناس عن قرب، لتمد يدّ العون الحانية لكل طالب حاجة، ولتترك بصمة خير في كل مكان تطأه.

تنطوي تجربة معالي على سجل غني من العطاء الممدود، من خلال العديد من المبادرات والمشاريع التي ساهمت، ولا تزال، في تحقيق نقلة نوعية في حياة قطاع عريض من المجتمع اليمني، فنفذت 15 مشروعاً مائياً استفاد منها أكثر من 45 ألف شخص، كما نظمت 30 حملة إغاثية لأكثر من 250 ألف شخص، ووفرت أكثر من 600 منحة دراسية، وساهمت في تمكين أكثر من ألف أسرة، كما ساهمت في إجراء أكثر من 5000 عملية جراحية لمكافحة العمى.

بعد عشر سنوات من تكريس حياتها بالكامل لشعب اليمن، لا تزال طريق العطاء بالنسبة لمعالي طويلة، لكنها تعرف أنها لن تتوقف، فقد غرست شجرة أمل، وها هي الشجرة تورق وتثمر، ومنها تنبت أشجار أمل أخرى، تأمل معالي أن تغطي مختلف أنحاء اليمن.

قد يتساءل أحدهم لماذا اختارت الكويتية معالي اليمن مكاناً لصنع الأمل. الجواب ببساطة، كما تقول معالي: أنا لم أختر اليمن، اليمن هو الذي اختارني!

ماما ماجي.. في خدمة الإنسانية

 

قيمة الإنسان لا تضاهيها أي قيمة أخرى.. هذا هو المبدأ الذي تؤمن به ماجدة جبران، من مصر، أو "ماما ماجي" كما يلقبها الناس.. وهو مبدأ ترجمته إلى فعل يومي، حين نذرت نفسها قبل نحو ثلاثة عقود لخدمة فقراء بلدها.

بدأت الحكاية بزيارة، يفترض أنها عابرة، قامت بها "ماما ماجي" إلى حي الزبالين في العاصمة المصرية القاهرة، فهالها ما رأت من بؤس يعيشه الناس هناك، يمسّ الأطفال تحديداً، الذين يفتقدون إلى أبسط مقومات العيش الكريم. عندها قررت أن تفعل شيئاً لمساعدة هؤلاء المهمَّشين. فتخلت عن حياتها، التي لم تعرف فيها معنى الفقر أو الحاجة، وتركت وظيفتها في الجامعة الأمريكية، ويمّمت وجهها صوب مآسي أبنائها وأشقائها في الإنسانية. تكررت زياراتها إلى حي الزبالين، وفي كل مرة كانت تلتقي عدداً كبيراً من سكان الحي، تستمع لهم ولاحتياجاتهم، تجلب لهم بعض المؤن الأساسية، وتوزع على الصغار الهدايا، حتى باتت "ماما ماجي" وجهاً مألوفاً ينتظره الكبير قبل الصغير بشوق، واجدين في حنانها وعطفها وابتسامتها الوارفة ملاذاً ونجدةً، والأكثر من هذا وذاك أن ماما ماجي تُعزز لديهم إحساسهم بإنسانيتهم وكرامتهم وأحقيتهم في الحياة كما تليق بأي فرد.

في العام 1985، أسست ماجدة جبران مؤسسة "ستيفن تشيلدرن" الخيرية، التي تقوم رسالتها على المساهمة في إنقاذ الحياة وصنع الأمل وحفظ الكرامة البشرية للأطفال والشباب الفقراء والأقل حظاً، وتوفير التعليم والتدريب لهم بالإضافة إلى مساعدة أسرهم لتحسين وضعهم المعيشي. وخلال السنوات الماضية، أصبحت الجمعية جزءاً من المشهد الإنساني اللافت في مصر، وسرعان ما امتد نشاطها ليشمل عشرات الأحياء الفقيرة، من خلال العديد من الحملات والمبادرات الإنسانية والمجتمعية والتعليمية والتدريبية، التي استفاد منها الآلاف من الأسر والأطفال.

حتى اليوم أسست "ماما ماجي" من خلال جمعيتها 92 مركزاً توفر الرعاية والتعليم لأكثر من 18 ألف طفل، كما تسهم جمعيتها في توفير العلاج لأكثر من 40 ألف حالة مرضية سنوياً، إلى جانب القيام بزيارات تفقدية لأكثر من 13 ألف طفل يقوم فيها المتطوعون في الجمعية بتقديم الإرشاد النفسي والتدريب لهم. كذلك، أسست الجمعية ثلاثة مراكز للتدريب المهني للأطفال والفتيان، كما توفر دورات تدريبية للأمهات لمساعدتهن في تحسين وضع أسرهن. وبالمجمل، يستفيد من خدمات جمعية ستيفن تشيلدرن اليوم نحو 33 ألف طفل، ضمن نشاط الجمعية المتزايد، الذي يسهم فيه نحو ألفي متطوع يعملون فيها.

لا تنتظر ماما ماجي، التي ترشحت لجائزة نوبل عدة مرات، أن تُكافأ على عملها. يكفيها أن يشار لها بوصفها صانعة أمل حقيقية أحدثت فرقاً حقيقياً في حياة من هم أحوج للأمل.

الخوذ البيضاء..الحياة من وسط الأنقاض

 


من وسط اليأس المحدق، وتحت القنابل التي تهطل بغزارة، فتقتلع الحجر والبشر، وتشيع الموت والخراب، يلوح أملٌ بحياة ممكنة، أمل متدثِّر ببعض البياض، يسارع لانتشال بقايا روح أو أنفاس لاهثة من تحت الأنقاض.. هؤلاء هم رجال الدفاع المدني السوري، هؤلاء هم صناع الأمل، أو "الخوذ البيضاء" كما يعرفهم العالم، الذين يقتنصون الحياة اقتناصاً من بين ركام الأنقاض ونزيف الدماء في سوريا الجريحة.

تأسس الدفاع المدني السوري في العام 2013، كمنظمة تطوعية حيادية غير منحازة لأي جهة سياسية، حيث تركز نشاطه في البداية في منطقة حلب وريفها قبل أن يمتد ليشمل مختلف مناطق الصراع في سوريا. البداية كانت مع 25 ناشطاً، تطوعوا لإنقاذ حياة من وقع تحت أنقاض القصف العنيف الذي كانت تتعرض له مدينة حلب آنذاك. وسرعان ما أصبح لهم دور أكبر، خاصة مع انضمام عدد متزايد من المتطوعين لهم، متخذين من الخوذة البيضاء رمزاً للأمل الذي يتطلع إليه ملايين السوريين.

اليوم، يعمل مع "الخوذ البيضاء" أكثر من ثلاثة آلاف متطوع، تركوا مهنهم التي عرفوها قبل الحرب، كمعلمين ومهندسين وخبازين وخياطين وكهربائيين وغيرهم، لتصبح مهنتهم المشتركة إنقاذ الحياة بأي ثمن، حتى وإن دفعوا حياتهم ثمناً في سبيل ذلك، سباقين إلى مواقع القصف، نابشين بأيديهم العارية عن أي حياة أو نبضات واهنة تحت أكوام الحجارة والرمال، حتى إذا نجحوا في انتشال رضيع على قيد الحياة بكوا تأثراً وابتهجاً، شعارهم في ذلك قوله تعالى: "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعا".

في كل يوم، يودع رجال الدفاع المدني السوري أسرهم مدركين أنهم قد لا يرونهم ثانية.. فالموت يتربص بهم في كل وقت. والقصف الوحشي لا يستثني بالضرورة من يعتمر خوذة بيضاء، فقد فقدوا حتى اليوم 189 متطوعاً. لكن ما يعوض هذه الخسارة المؤلمة أنهم أنقذوا أكثر من 94 ألف شخص، ما يعني أن تضحياتهم لم تذهب سدى، وأن الأمل الذي يصنعونه يومياً يستحق الثمن الغالي الذي يدفعونه من أرواحهم ودمائهم.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon