الآثار التاريخية ثروات إنسانية تسرد تفاصيل الحضارة المادية والبشرية على مر العصور، ويأتي الترميم الآثاري ليحتل أهمية قصوى في التتبع الدقيق لما تكشف عنه الآثار واللقى، خاصة أن الترميم علم له مقوماته ومفرداته، وهناك من الجنود المجهولين من العاملين بصمت في محراب المهمة الملقاة على عاتقهم في الحفاظ على إرث الوطن الحضاري، إنهم مرممو الآثار الذين لا يقدرهم إلا القلة.

ومن المرممين هناك من أصبحوا خبراء في المجال من دون دراسة تخصصية، وإنما باجتهادهم واعتمادهم على تنمية مهاراتهم الابداعية من باب الهواية، والعمل على إعادة رونق ما هو أثري، الأمر الذي شكل لديهم خبرة تراكمية، جعلت وظيفتهم عملة نادرة.

واليوم نكشف عن تجربة إماراتية فريدة أبدعت في مجال الترميم الآثاري، من خلال التحلي بمميزات وصفات تشترطها المهنة، والتي قضت 13 عاماً في رحاب التاريخ، وذلك من خلال المواطنتين مريم سالم عيسى، ونورة الزحمي اللتين تواصلان العمل على إنجاز مشروع وطني في متحف الفجيرة، حيث تقومان على ترميم اللقى الأثرية التي تعود لمئات وآلاف السنين من تاريخ الإمارة.

وهي اللقى التي تم العثور عليها في المواقع الأثرية المتباينة في مناطق ومدن الإمارة، وتعتبر تجربة المواطنتين فريدة ونادرة في هذا المجال. وهما بذلك تثبتان مجددا كفاءة المرأة الإماراتية ونجاحها في أداء مختلف المهن.

الصبر

تقول مريم سالم عيسى نجحنا في أن نصبح أول مواطنتين في هذه المهنة، وذلك منذ العام 2002، وبالرغم من جماليات هذه المهمة، وما تتسم به من هدوء الأجواء، إلا أنها تحتاج إلى الكثير من التأني والصبر وإلى الدقة المتناهية في العمل، فضلاً عن مخاطرها المتعلقة بالمواد الكيميائية المستخدمة.

وتؤكد أن انخراطهما في مجال الترميم بسبب جماليات المهنة، وما تشيعه من تشويق يسبق نتائج العملية على قطعة أثرية وملاحظة ما تحمله وما ستكشف عنه.

وتعرِّف ترميم الآثار بمعالجة اللقى الأثرية كيمائياً وميكانيكياً للحفاظ عليها أطول فترة ممكنة، مع الحرص على الحفاظ على قيمة القطعة التاريخية، وشكلها الفني الذي وجدت عليه في الأصل، وهو تخصص دقيق ويتطلب مهارة وصبر لأن العمل على القطعة الواحدة قد يستغرق عدة أسابيع وقد يطول لعدة أشهر أيضاً، حسب حالة القطعة وحجمها.

وقد يتطلب ترميم بعض القطع النادرة فترات أطول للعمل، كما أن الترميم لا يقتصر على المهارة الفنية فحسب، بل يحتاج إلى معرفة متخصصة في مجال العلوم الطبيعية، حيث يتعين على المرمم معرفة مدى توافق المواد المستخدمة في الترميم مع القطعة الأثرية والكيماويات المستخدمة أيضاً في إزالة التلف الحاصل على الأثر.

البداية

فقد كانت البداية مع تخرجهما في جامعة الإمارات تخصص تاريخ وآثار في عام 2000 ليلتحقا مباشرة بالعمل في متحف الفجيرة، ولم يكن به مختبر خاص بترميم الآثار، إلا أن رؤية إدارة المتحف بضرورة تجهيز مختبر لترميم الآثار اكتملت العام 2002 ، وليتمكن بذلك فريق العمل في مهنة الترميم.

بعد اجتيازنا دورة مهارات الترميم والتعامل مع اللقى الأثرية، وقع الاختيار علينا للخضوع لدورة تخصصية استمرت عاماً كاملاً على يد خبيرة استرالية تعمل في ذات المجال.

توثيق الأثر

وأوضحت مريم سالم عيسى أن الخطوة الأولى للترميم لابد أن تتمثل في دراسة وترجمة ما يحمله الأثر من معلومات لتحديد الوسيلة المناسبة للعلاج بما لا يمس بالأدلة التاريخية والمعلومات التي يحملها الأثر ولا تؤثر في قيمته، حيث نعمل على ترجمة المعلومات بتعبئة استمارة شاملة لكل من تاريخ الأثر والموقع المستخرج منه، وحالة الأثر ومكوناته ومقاساته الأساسية، مع رسم الأثر بطريقة توضح أبعاده قبيل البدء في عملية الترميم.

الترميم

وتصف نورة الزحمي عملية ترميم الآثار بمعالجتها كيميائياً وميكانيكياً للحفاظ عليها أطول فترة ممكنة، علماً أن الترميم لا يقتصر على المهارة الفنية فحسب، بل يحتاج إلى معرفة متخصصة في مجال العلوم الطبيعية، حيث يتعين على المرمم معرفة مدى توافق المواد المستخدمة في الترميم مع القطعة الأثرية، والكيماويات المستخدمة أيضاً في إزالة التلف الحاصل على الأثر. كما يتطلب عزل الأثر عن الحرارة والرطوبة للمحافظة عليه.

وقالت إنه من خلال عمليات الترميم قد يضاف أو يزال أو يتغير شيء في الأثر ما يغير بعض المعلومات التي يحملها، لذا يجب أن تتم أعمال الترميم الضرورية فقط للأثر للحفاظ عليه باستخدام أقل قدر من المواد.

ولفتت إلى نجاحها من خلال تجاربها المتعددة مع عمليات الترميم في إعادة إناء برونز إلى حالته بعد عملية ترميم شاقة، تطلبت فتح الإناء الهش، وتنظيفه من الحجارة والأتربة العالقة، وإعادة تركيب الإناء. وكان ذلك يعد تحدياً كبيراً ومجازفة قمت بها في سبيل إظهار الأثر بحالة مقبولة.

تطلعات ووقاية

 

وحول تطلعات الآثاريتين مريم سالم ونورة الزحمي المستقبلية، هي رغبتهما في الحصول على المزيد من الدورات التخصصية في مجال ترميم النسيج والزجاج بطريقة حرفية، والتعرف إلى كل ما هو جديد في هذا المجال، وأكدتا أنهما بحاجة ماسة إلى تأمين صحي يقي صحتهما من المخاطر جراء التعرض إلى مواد كيماوية ومعدات لها أضرار على المدى الطويل.