عالم «التواصل»..خصوصية مكشوفة وأخطار مستترة

تنتشر الأخبار والمعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإخبارية الحديثة، ويتداولها مغردون ومستخدمون لهذه المواقع بين متلقٍّ وناشر، والبعض يترك أهم جانب في نشر هذه الأخبار، وهو التثبت من مدى صحتها، وما إذا كانت إشاعة قديمة، أو أخباراً مفبركة هدفها زعزعة الأمن الاجتماعي في الدولة.

وحديثاً، أصبح العديد من مستخدمي التواصل الاجتماعي متطوعين للتشهير، وآخرون وكالات أنباء خاصة، تلقي على عاتقها التقاط صور لحوادث عديدة، ومقاطع فيديو، بهدف نشرها عبر حساباتها واختلاق قصص طويلة من دون الرجوع إلى المؤسسات المعنية، تماماً.

كما حدث عند نشر صور للحادث الذي وقع قبل أيام في عجمان على شارع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عندما تشابك شباب بالأسلحة البيضاء، إذ نشرت حسابات عديدة صوراً لأشخاص غير معنيين بالقضية، زاعمة أنها للمتورطين في الحادث، والبعض الآخر نشر روايات عديدة تصف الحادث.

أخلاقيات وقواعد

وتفصيلاً، أكد محمد يوسف، رئيس مجلس إدارة جمعية الصحافيين في الإمارات، أنه ينبغي التأكد من الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات قبل نشرها، وأن لا تتجه وسائل الإعلام إلى نشرها من دون التثبت، موضحاً: «أساس عمل وسائل الإعلام هو التأكد من الخبر قبل نشره ومن أكثر من مصدر رسمي، وخصوصاً أن بعض هذه الوسائل تقرأ سطرين اثنين من الخبر دون التأكد منه، وتنشره على أنه حقيقة كاملة ينبغي تصديقها والعمل بها».

وأضاف: «توجد أخلاقيات وقواعد للعمل الإعلامي تقود الإعلاميين للتثبت والتأكد من هذه المعلومات، ولا تنطبق هذه القواعد على المجال الإعلامي فقط، بل لا بد للأشخاص من التأكد من صحة ما يسمعونه أو يقرؤونه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يرسل إليهم عبر تطبيق «واتس آب»، إذ إنه لا ينبغي عليهم أن يشاركوا في الترويج للأخبار الخاطئة».

وتابع أنه ينبغي على الأشخاص طرح تساؤلات عدة للتأكد من مدى صحة الأخبار، ومعرفة ما هي المصادر التي استقوا منها الخبر، ثم يرسلونها إن تأكدوا من صحتها، لا أن يقعوا في الخطأ الشائع بين الناس بحيث يرسلون المعلومات ويذيّلونها بعبارة «كما وصلني» أو «منقول»، لأن هذه الجمل لا تعفيهم من المسؤولية القانونية المترتبة على النقل.

دسائس

وأشار يوسف إلى أنه في الفترة الأخيرة كثرت الأخبار وتداخلت القضايا، التي تستهدف مجتمعاتنا بالدرجة الأولى، من قبل جهات معادية، وأنظمة وجماعات، متسائلاً: «كيف نسهم في نشر هذه الإشاعات والمغالطات والدسائس التي تستهدف هز وحدة المجتمع؟».

ولفت: «قد ينشر الكاتب أو مستخدم مواقع التواصل الاجتماعية خبراً صحيحاً كاملاً، لكن يستخدم مرادفات قد تفهم بطريقة خاطئة تضر المجتمع».

وأوضح يوسف أن «البعض يتطوع في التقاط ونشر صور الحوادث، والبعض يجعل من نفسه وكالات أنباء، ولا يفكر أن هذه الصور قد تؤذي أسراً تنتظر عودة أبنائها، ما يؤدي إلى تدميرهم نفسياً وانهيارهم نتيجة وقع الخبر عليهم، والبعض الآخر .

كذلك، يتخوف من الأخذ بحقوقه عند التعدي عليهم في المواقع العامة، سواء في المجمعات التجارية أو غيرها من الأماكن، خشية أن يلتقط أحدهم صوراً لهم تجرمهم وتؤذي سمعتهم بين أقرانهم، وهذا تعدٍّ صريح على الحريات».

مخالفة منهج الإسلام

ومن جانبه، قال الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء: «إن تداول الإشاعات والأخبار الخاطئة يخالف منهج الإسلام الذي أمر بالتثبت في النقل، إذ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، والمعنى أن متلقي هذه الأخبار لا ينبغي أن يصدقوا كل ما قيل لهم، ومن ثم ينقلوها إلى غيرهم، فلعل هذه المعلومات أن تكون خاطئة، وأن يكون من نقلها إليهم كاذبين فيصبحون مثلهم، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع». والمعنى أن نقل الحديث من غير تحرٍّ ولا تبين من أعظم الآثام، فمن فعل ذلك فقد أوبق نفسه في الإثم وحسبه ذلك، ففي هذا تنفير شديد من نشر الأخبار قبل التثبت منها، لما في ذلك من إشاعة الكذب وحدوث الفتن وتغيير الحقائق، وهذه كلها مفاسد، ناهيك عن أن الناس يفقدون المصداقية بما يردهم من أخبار. وأضاف الحداد:

«يتعين على المسلم أن يتقي الله تعالى فيما يسمع وينقل حتى لا يشيع الكذب بين الناس، لا سيما في جلائل الأمور التي تقلق الناس، وتفقد المصداقية فيما بينهم، فإن الكلمة في وسائل الاتصال الاجتماعي ما إن تخرج من صاحبها حتى تبلغ الآفاق، ثم تزداد تكاثراً بنقلها من غير روية ولا دراية، وعندئذٍ يقع المتكلم والمشيع في حرج الإثم، ولعل الواقع سرعان ما يكذّب ذلك، فيؤوب كل منهما بالخسران».

وأوضح أنه يبغي على المتلقي لهذه الأخبار أن «يكون حصيفاً، يزن ما يرد إليه من أخبار بميزان الشرع والعقل، أما ميزان الشرع، فبالرجوع إلى أهل الاختصاص وسؤالهم.

وأما العقل فإن كثيراً من المغردين أو مرسلي الرسائل القصيرة أو رسائل الـ«واتس آب» يهرفون بما لا يعرفون كحاطبي الليل، ويلقون بغثائهم على الناس، فيتأذى الناس من مثل هذا الغثاء، فعليهم أن يلقوها في سلة المهملات فوراً، ولا يلقون بها بالاً، أما أن يتلقفها المرء ثم ينقلها لغيره فهذا غير معقول، وكما يقول الناس: إذا كان المتكلم مجنوناً فليكن المستمع عاقلاً».

مصدر موثق

وتشير ريم المري، مديرة الأخبار المحلية بمؤسسة دبي للإعلام: «نضع بعين الاعتبار من خلال موقعنا كمصدر موثوق للخبر أن الإشاعة، وإن كانت عبارة عن مجموعة من الصور أو الفيديوهات، هي أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع، وتتداول بين العامة ظناً منهم بصحتها، ودائماً ما تكون هذه الأخبار شائقة ومثيرة للفضول.

كما أنها تفتقر عادة إلى المصدر الموثوق الذي يحمل أدلة على صحتها، كما أن الكثير من تفاصيل المعلومة يسقط في حال تنقلنا من شخص إلى شخص، حتى نصل ل إلى الخامس أو السادس من مُتواتري المعلومة».

وتوضح ريم: «يقع على عاتقنا في مركز الأخبار التواصل مع الجهات المعنية إذا كان الخبر متعلقاً بوزارة أو جهة حكومية أو مؤسسة ما، وذلك عن طريق حساباتها الرسمية أو موقعها الإلكتروني أو أي طريقة أخرى، وتجاهل الشائعات ذات التأثير الضعيف التي قد تنشر في وسائل إعلام مغمورة أو الصفراء أو مواقع التواصل، حتى لا يكون إلقاء الضوء عليها سبباً في نشرها».

تعميم على المجتمعات

من جهته، أفاد الدكتور سيف الجابري، أستاذ الثقافة الإسلامية ومجتمع الإمارات في الجامعة الكندية في دبي، بأن الأشخاص في طبعهم يحبون الاستماع إلى الأخبار الجديدة والبحث عنها، وقد يضيفون إليها معلومات جديدة، ما يؤدي إلى جعله خبراً مفبركاً وكاذباً يؤذي أفراد المجتمع، ويحوي من الخطورة ما قد يؤثر سلباً في سير الحقيقة في المجتمع.

موضحاً: «الأخبار المغلوطة التي تنشر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والمجتمع الافتراضي تشكل إساءة حقيقية للإنسان سواء متلقيها أو كاتبها، والمجتمع بشكل عام، وقد تفضي إلى مشاحنات بين أفراد المجتمع دون انتظار رد رسمي من الجهات المعنية، وخصوصاً في الحوادث العادية التي تحصل».

وأضاف: «هذه الأخبار الخاطئة التي يتم نشرها بسرعة كبيرة بين الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمجموعات التي يشارك فيها مستخدمون عبر تطبيق التواصل «واتس آب» لها تأثير غير محبب في النفس الإنسانية، وقد يؤدي إلى خوفه من المجتمع المحيط به.

وعدم التعامل مع فئة معينة من الأشخاص، أو تغيير مكان سكنه، بسبب طبيعته الفطرية التي تلجأ إلى الخوف في مثل هذه المواقف، وخصوصاً بعد نشر أخبار حوادث تخص منطقة معينة في إمارة معينة، وقد يؤدي إلى تعميمها على المنطقة وهروب أهلها منها، أو عدم زيارتها».

وأكد: «البعض يعتمد على هذه الأخبار، ويتبنى انطباعاً خاطئاً عن مجموعة معينة من الأفراد، أو قبيلة معينة، أو جنسية تعيش على أرض الدولة، وقد يلجؤون بعدها إلى العنف للانتقام منهم، أو إخراجهم لكيلا يتكرر مشهد العنف الذي عايشوه سابقاً».

موضحاً أن البعض بعد أن يتبنى هذه الفكرة يحاول أن يحشد معه أشخاصاً آخرين للتحريض عليهم دونما وجه حق، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحطم أسر كاملة في المجتمع، وإن لم يكونوا معنيين بجريمة ارتكبها أشخاص آخرون.

وأوضح الجابري أن هذه الأخبار تصل إلى مناطق مختلفة في العالم، والبعض يستخدمها للضرب في هذه الدول وتشويه سمعتها. وطالب الجابري متلقي الأخبار من التثبت منها قبل نشرها بين معارفهم، مؤكداً: «ينبغي أن نكون شعباً واعياً يعرف ماذا يصدق وما لا يصدق، ويعرف ما المعلومات الموثوقة التي يمكن الاعتماد عليها، كما ينبغي أن نترك نشر المعلومات التفصيلية لجهات الاختصاص».

حذر

قالت ريم المري، مديرة الأخبار المحلية بمؤسسة دبي للإعلام: «نعيش عصراً أصبح فيه التواصل الاجتماعي الإلكتروني جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بفضل التطور الهائل في تقنيات التواصل، وسهولة استخدامه للجميع، حيث يتنامى دور وسائل التواصل الاجتماعي سواء سلباً أو إيجاباً.

فأصبح لزاماً على الجميع أن يتعامل مع هذا التحول الكبير في استخدام وسائل التواصل بحذر ومسؤولية اجتماعية، وبوعي بخطورة تأثيره السلبي إن كان ما ينشره أو ينقله عبر هاتفه المتحرك، أو عبر فيسبوك أو مقاطع الواتس آب أو غيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، قد يحدث أضراراً بالغة بالمجتمع، أو يسهم في استشراء بعض الأمور السلبية».

قانونيون: الحبس والغرامة لناشري الأخبار الخاطئة

أكد قانونيون أن الدولة ضمنت للمتضررين من نشر الأخبار الكاذبة أو المعلومات التي تتعلق بالحوادث والأحداث التي من شأنها التأثير المباشر على الأشخاص، حق اللجوء إلى القانون، بما في ذلك قانون مكافحة جرائم المعلومات، وقانون العقوبات الاتحادي، اللذين يضمنان خصوصية الأفراد، والقضايا المرفوعة أمام المحاكم، سواء تم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي أو إفشائها بين الناس، والتي يمكن أن تقودهم إلى الحبس بمدد تراوح بين ستة أشهر وعام واحد.

وأكد المحامي يوسف البحر، أنه يحق لكل متضرر اللجوء إلى الجهات المختصة في حال تعرضه للتشهير وانتهاك الخصوصية عبر مواقع التواصل فهو في حماية القانون الذي يحافظ على خصوصيته وعلى عدم التعدي عليها.

موضحاً أن عقوبات هذا القانون تعتبر رادعة بحق كل من يسعى للتشهير بالآخرين لقدسية الحياة الخاصة للناس لذلك ينبغي توعية الأبناء والنَّاس بخطر التعدي على الآخرين ونشر الصور المسيئة لهم على مواقع التواصل لأن ذلك يضعهم تحت طائلة المسؤولية القانونية

وأضاف إن القانون ينص على العقوبات التي تقع على كل من يعتدي على خصوصية الآخرين وينشر صورهم على مواقع التواصل والشبكة العنكبوتية، وجاء فيه: «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر والغرامة التي لا تقل عن مائة وخمسين ألف درهم ولا تجاوز خمسمائة ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استخدم شبكة معلوماتية، أو نظام معلومات إلكتروني.

، أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، في الاعتداء على خصوصية شخص في غير الأحوال المصرح بها قانوناً بإحدى الطرق التالية: استراق السمع، أو اعتراض، أو تسجيل أو نقل أو بث أو إفشاء محادثات أو اتصالات أو مواد صوتية أو مرئية.

والتقاط صور الغير أو إعداد صور إلكترونية أن نقلها أو كشفها أو نسخها أو الاحتفاظ بها، ونشر أخبار أو صور إلكترونية أو صور فوتوغرافية أو مشاهد أو تعليقات أو بيانات أو معلومات ولو كانت صحيحة وحقيقية».

أضرار أمنية

إلى ذلك أفاد المحامي، عبدالله دعيفس بأن نشر وتداول أخبار الحوادث والتحقيقات في الجرائم يضر بشكل مباشر بمجريات التحقيق، وتالياً الإضرار بأمن المجتمع، وخصوصاً أن نشر هذه المقاطع يؤدي إلى تهويل الأخبار البسيطة، وتأجيج الانفعالات بين متلقي هذه الأخبار، موضحاً أن التحقيق في الجرائم هدفه الوصول إلى الحقيقة ومعاقبة الفاعل، ما يؤدي إلى سلامة وأمن المجتمع.

وأضاف إن هذه التحقيقات التي تجريها الجهات المعنية، لابد وأن تتم بسرية تامة للمساعدة في كشف الحقيقة، وتساهم في إبقاء المسائل المتعلقة بالتحقيق بعيدة عن التداول، تفادياً للتأثير على سمعة المتهمين في القضية، وخصوصاً أنه يمكن أن تقضي الجهات القضائية في الدولة ببراءتهم من الاتهامات.

وأوضح دعيفس أن قانون العقوبات الاتحادي جرّم نشر هذه المعلومات، إذ نصت المادة (263) على عقوبة الحبس أو الغرامة لكل من ينشر بطرق العلانية أموراً تؤثّر في القضاة أو أعضاء النيابة أو غير من المكلفين في التحقيق وكذلك الخبراء والشهود، ونصت على أن تكون العقوبة الحبس والغرامة معاً إذا كانت الأمور المنشورة كاذبة.

من جهته أفاد المحامي، علي العبادي بأن الدولة تصدت لهذه الأخبار ونشر المعلومات الخاطئة بين الأفراد بأن أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2012، في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي وضع الأطر القانونية للنشر عبر الانترنت إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكد أن مواقع التواصل كانت سابقاً أداة للترفيه وقضاء الوقت، إضافة إلى تحقيق التواصل بين الأفراد، غير أنها تحولت خلال الفترة الماضية إلى أداة لتدمير الأشخاص والإساءة إليهم وللمجتمعات التي ينتمون إليها.

موضحاً أنها «شكّلت جبهة تدمير موازية وساحة لتحطيم الهيكل الاجتماعي، وأدوات ذلك هي لنشر الفكرة التحريضية والمعلومة والصورة والفيديو لإثارة الرأي العام ضد أشخاص أو دول، ما يؤدي إلى خسائر سياسية واقتصادية وأمنية، تبدأ بالفرد وتنتهي بالدولة»

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon