سيدات مؤمنات

السيدة هاجر أم إسماعيل عليه السلام

قليلة هي الكتابات التي تحدثنا عن تاريخ السيدة هاجر زوج سيدنا إبراهيم وأم سيدنا إسماعيل عليهما السلام ورغم اختلاف الروايات إلا أن بعض العلماء يؤكدون أن السيدة هاجر كانت أميرة مصرية وتحديدا كانت شقيقة الملك المصري سنوسرت وعندما أتى الهكسوس ليحتلوا مصر استحوذوا على بلاط الملك ومن فيه فقتلوا الرجال واستبقوا النساء.

وجيء بالسيدة هاجر إلى بلاط ملك مصر ولكنها كانت مستعصمة ذات شرف ومكانة حماها الله من صغرها فيقال إن الملك إن حاول النيل منها سرت فيه رجفة فابتعد عنها وعلم أن هناك قوة ما تحميها. والذي يرجح هذا القول هو تصرف هذا الملك الذي عرف بولعه الشديد بالنساء عندما حاول أن ينال من السيدة سارة زوج سيدنا إبراهيم شلت يده 3 مرات وكأن نفسه أدركت أن هناك صلة ما تربط بين السيدة التي أمامه وتلك التي يعرفها المستعصمة الأبية هاجر.فقرر هذا الملك إطلاق سراح السيدة سارة وليبعث معها هاجر تلك التي على نهجها نهج العفة والإيمان والاستعصام.

وأيا كانت الآراء أو الاختلافات عن أصل السيدة هاجر إلا أن اختيار الله سبحانه وتعالى لمعيشة تلك الفتاة المؤمنة في بيت النبوة الإبراهيمية كان لتهيئتها لدور أكبر وتشريفها بمكانة عظمى وتأييدها بمعجزات عظيمة تظل تذكر إلى يوم الدين كما سيتبين لنا من سرد لقصة حياة هذه السيدة العظيمة.

البشارة لأم العرب العدنانيين

لبثت السيدة هاجر عمراً مع السيدة سارة فتحابا في الله وعلمتها السيدة سارة من أمور الدين والتوحيد والعلم الرباني واستقيا علمهما من أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي يقول عنه الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران آية 67: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين».

وكما هو معروف فإن السيدة سارة زوجة إبراهيم كانت لا تنجب وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام قد صار شيخا وابيض شعره من خلال عمر أنفقه في الدعوة إلى الله. وفكرت سارة أنها وإبراهيم وحيدان وهي لا تنجب فماذا لو قدمت إليه هاجر ويأتي منها بولد. وفي روايات أنها قالت لسيدنا إبراهيم «لو تزوجت هاجر رجوتها أن تنجب لك».

وكان عمر السيدة سارة وقتئذ ست أوسبع وسبعين عاما فيما كان عمر سيدنا إبراهيم ست أو سبع وثمانين عاما.

وظهرت علامات الحمل على السيدة هاجر وكانت فرحة لما وهبها الله في أحشائها وربما اختلطت مشاعر الفرح بالخوف أيضا من من أن الغيرة سوف تتحرك في قلب السيدة سارة نحوها وهنا تقول كتب التفاسير إن هذا قد حدث فعلا وشكت السيدة سارة لزوجها إبراهيم أن هاجر قد تغيرت وربما تعاظمت عليها وهنا خافت السيدة هاجر فخرجت بسرعة وربما هاربة فجاءتها البشارة بأنها ستلد غلاما وتسميه إسماعيل وأن ولدها هذا سيكون سيدا للناس يده على الكل ويد الكل به وسيملك جميع بلاد أخوته فشكرت السيدة هاجر ربها عز وجل وامتلأت نفسها إيمانا ويقينا وطمأنينة وهنا نلاحظ أن بشارة الملائكة للسيدة هاجر إنما انطبقت على ولده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي سادت به العرب وملكت البلاد شرقا وغربا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم يؤت أمة من الأمم قبلها وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته وعموم بعثته لجميع أهل الأرض ومن هنا جاءت تسمية السيدة هاجر بأم العرب العدنانيين التي أنجبت إسماعيل «أبو العرب» أجمعين.

وولدت السيدة هاجر أول ذرية سيدنا إبراهيم وقد جاء ذكر سيدنا إسماعيل في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة منها مواضع كثيرة تمدح في خلقه عليه السلام. ففي سورة مريم الآية 54 يقول المولى عز وجل «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا».

وقوله تعالى في سورة الأنبياء الآية 85 «وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين».

وفي سورة ص الآية 48 «واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار». ويا بشرى هاجر بولدها الذي مدحه الله تعالى وذكر اسمه في كتاب يتلى إلى يوم القيامة ومدح خلقه وأثنى عليه وليس ذلك فقط بل كان من نسله أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

معجزة الله للأم الحنون

وقد جعل الله سبحانه وتعالى من لوازم الإيمان أن نرضى بالقدر خيره وشره والأقدار ليست على رغبتنا دائما ونحن في هذه الدنيا إنما في مقام العبودية والتسليم فيقول تعالى «ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ولنبلو أخباركم».

فقد اشتدت غيرة السيدة سارة من هاجر أم إسماعيل بشكل كبير حتى يقال إن السيدة سارة أقسمت أن تقطع أحد أعضاء السيدة هاجر ولما هدأت نفسها قالت لسيدنا إبراهيم ماذا أفعل في قسمي هذا فقال لها اثقبي لها أذنيها تكوني قد أبررتي بقسمك فثقبت أذنيها وألبستها قرطا أي حلقاً فصارت أكثر جمالا فاشتدت غيرة السيدة سارة منها أكثر ويقال إن أول من ثقبت أذنيها من بنات حواء هي السيدة هاجر رضي الله عنها وأرضاها وتمر الأيام وتشتد الغيرة ولا احد يعتب أو يلوم إنها الفطرة البشرية وطبيعة النفس الإنسانية وتأتي اللحظة الفاصلة في حياة أم العرب ويخبرها زوجها إبراهيم أن أمامهم رحلة طويلة إلى بلاد بعيدة فتحضر زادا وزوادا وكان عبارة عن تمر وماء وتستعد لتلك الرحلة التي يمتحن فيها الله سبحانه وتعالى تلك الأم الحنون.

وكان إسماعيل ما زال رضيعا لم يفطم بعد وبدأت الرحلة ويسير سيدنا إبراهيم وسط أرض مزروعة تأتي بعد صحراء تأتي بعدها جبال حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية حيث لا زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا ماء ولا شراب وكان المكان يخلو تماما من علامات الحياة، ونزل إبراهيم من فوق دابته وأنزل زوجته وولده وتركهما هناك مع جراب فيه بعض الطعام والماء ثم استدار تاركا إياهما ولنا أن نتخيل الموقف العصيب الذي يواجه السيدة هاجر ووليدها وهي ترى أن الأمر قد استقر بها إلى هذا المقام فتذهب وتلحق بزوجها إبراهيم وتسأله: أين تتركنا وتذهب في هذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟

تقول له ذلك مرارا ولا يرد عليها وسيدنا إبراهيم لا يرد على زوجه ليس استكبارا ولا قسوة حاشا الله فهو الذي يقول عنه ربه «إن إبراهيم لحليم أواه منيب» إنما كان ذلك امتثالا لأمر ربه ولأنها كانت لحظة قاسية على نفسه هو أيضا فهذا هو الطفل الذي تمناه من الله أتى إليه على كبر وهذه زوجه التي أنجبه منها كم يحبها.

والسيدة سارة أيضا ماجت نفسها حسرات أنها لم تنجب وبلغت التسعين من عمرها فهل يضيع منها الزوج والأمل ولكنه الاختيار الإلهي لثلاثتهم الزوج الذي يفارق الابن الذي طالما انتظره والأم التي تواجه مصيرا مجهولا لا تعرف ماذا سيحدث لها والزوجة الأولى التي انقلبت لياليها واشتدت غيرتها وهي لا تملك من نفسها شيئا وهي التي زوجته إياها. وفي الحديث الشريف إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.

وينطلق سيدنا إبراهيم بعيدا فتسأله السيدة هاجر آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت.

إنها الزوجة المؤمنة العظيمة التي تملأ قلبها الثقة بالله عز وجل ويملأ نفسها الطاهرة الإيمان به وبأنه سبحانه وتعالى لن يضيعها أبدا.

ما أروع ما قالته وما أحسن ظنها بربها وما أعظم صبرها فها هي الساعات تمر وجعلت هاجر أم إسماعيل ترضع ولدها وتشرب من الماء حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من شدة العطش فابتعدت عنه وظنت أنه ميت فكرهت أن تراه وهو يموت وظلت تهرول نحو الصفا أقرب جبل إليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلا تجد فتهبط من جبل الصفا وتهرول مرة أخرى وتصل إلى الطرف الآخر عند جبل المروة وتستقبل قمته وتنظر هل من أحد هل من معين فلا تجد أحدا وتفعل ذلك مرة تلو الأخرى حتى بلغت سبعا وبلغ جهدها الذروة فسمعت صوتا حسبته نفسها فإذا هو صوت الفرج ومعجزة الله لأمته الصالحة وأم نبيه الصالح.

فقد بعث الله بشراه وملكه الأمين جبريل عليه السلام فضرب الأرض بجناحه لتخرج عين الماء نحوها فجعلت هاجر تغرف من مائها وتحاول جاهدة أن تنقذ طفلها وقلبها ينطق بحمد الله على نعمته لها فشربت السيدة العظيمة صاحبة المعجزة وأرضعت وليدها فقال لها الملك أو سمعت صوته يقول لها لا تخافي في الضيعة فإن ها هنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله. وصدق ظنها حين قالت لن نضيع ما دام الله معنا.

الدعاء مفتاح الفرج

في ذاك الوقت كان سيدنا إبراهيم يسير في الطريق حتى إذا أخفاه جبل عن عن زوجته وولده وقف ورفع يده الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله كما جاء في القرآن الكريم «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ذرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» وما هي إلا أيام قلائل حتى هلت بعض القوافل بالقرب من الماء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على الماء وما كان هذا الماء من قبل فذهبوا ووجدوا أم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت نعم.

ويقول عبد الله بن عباس: قال النبي عليه الصلاة والسلام فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم وكان للسيدة هاجر بينهم مكانتها الكبيرة ومقامها الرفيع وكلما زاد العمران على المكان سعدت السيدة هاجر بذلك وشب إسماعيل وتعلم اللغة العربية من قبائل جرهم التي جاءت إلى المكان لتسكن وتستقر.

ولقد كرم الله سبحانه وتعالى السيدة هاجر بأن أبقى ذكراها عطرة خالدة وأمرنا أن نفعل مثلما فعلت فنهرول عند الصفا والمروة 7 مرات كما فعلت هي رضي الله عنها. ولعل من أسمائها أيضا «أم الذبيح» فكلنا يعرف قصة افتداء ولدها إسماعيل من الذبح بكبش عظيم نزل من السماء خصيصا ليفدي أبو العرب إسماعيل. وهكذا نلاحظ أن الاختبارات الإلهية لم تفارق هذه السيدة الصابرة وكانت كلما دخلت امتحانا نجحت فيه فيكافئها المولى عز وجل أليس هو القائل إن الله مع الصابرين.

كبر سيدنا إسماعيل وتزوج وكان بارا بأمه مطيعا لها حليما على نواكب الدهر ومصائبه وهي رضي الله عنها قد وفت رسالتها له ومنحته حياتها بأكملها فاستحقت بره ومحبته وطاعته.

ماتت السيدة هاجر عن تسعين عاما ودفنها إسماعيل عليه السلام بجانب بيت الله الحرام ماتت بعد أن تركت لنا مثالا رائعا للفتاة المؤمنة والزوجة المطيعة والأم الحانية والمؤمنة وقد وفاها الله وأجزل فضله عليها فعطر ذكرها وأعظم ذكراها ودفنها بجوار بيته وآنسها في وحشتها وآمنها في غياب زوجها ورزقها وطفلها من حيث لا تحتسب وجعل من ذريتها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأفضل خلق الله إلى يوم الدين. فرضي الله عنها وأرضاها وجعل لنا في سيرتها القدوة الحسنة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon