«هي مصر».. لبناء حاضر ومستقبل الفتيات

صورة

تعتقد النساء أنهن يجب عليهن إنجاز المستحيل للحصول على جوائز أو حتى الاعتراف بهن في المجتمع

غالباً ما نجد النساء في طليعة المطالبات بحقوقهن، وعلى رأس المبادرات أو المنظمات أو الحملات لتمكين الفتيات وتوعيتهنّ حيال مخاطر التحرش أو ضرورة التعليم، إلا أن مودي دمتري، الشاب المصري المستقر في الولايات المتحدة قرر عكس ذلك، وأطلق مبادرة «هي مصر».

وخلال مقابلتنا يشرح لنا دمتري «بالفعل إن الرجال بشكل عام وتحديداً في الشرق الأوسط لا يهتمون بالقضايا النسائية. غادرت إلى الولايات المتحدة في منتصف التسعينيات ولم أعد إلى مصر إلا بعد 12 عاماً، أي بعد الربيع العربي في مصر وكان الوضع في الشارع، لا سيما سلامة النساء، صعباً جداً.

شعرت بدافع لأقوم بشيء ما، على غرار كل المغتربين، ولكنني لم أعرف ماذا أو كيف. وعندما أجريت بعض الأبحاث، اكتشفت أن 97% من النساء يتعرضّن للتحرش في مصر، إضافة إلى أن الكثيرات لا يواصلن الدراسة ويتسربن من التعليم الابتدائي».

وهنا يضيف «اعتبرت أن أفضل طريقة للتأثير على بلد يحاول النهوض اقتصادياً مجدداً هو أن أحسّن حياة أكثر الأشخاص تأثيراً في مجتمعاتنا، وهم غالباً النساء، وتحديداً أن أركز على الفتيات الشابات من أجل إحداث التغيير من الصغر ليبنين مستقبلاً أفضل للوطن».

وهكذا، في أواخر 2014، أطلق دمتري مبادرة «هي مصر» غير الربحية، التي يعرّف عنها بالقول «إنها تعمل مع الأجيال الشابة لتسترجع فخرها وكرامتها من أجل بناء مستقبل مصر».

وبعد نقاشات طويلة، اختار مودي وفريق عمله المؤلف من 15 متطوعاً ومتطوعة اسم المبادرة وشعارها «هي مصر، ماضيها، حاضرها، ومستقبلها» للتشديد على الدور الأساسي الذي تضطلع به المرأة في المجتمع المصري، فهي صنعت الماضي مع ملكات الحضارات القديمة وتشكل الحاضر وترسم المستقبل، لأنها نصف المجتمع وسبب وجود النصف الآخر.

لكن ما الذي يميّز «هي مصر» عن غيرها من المنظمات غير الحكومية التي تُعنى بالنساء؟

يجيب دمتري «نتميّز بأمرين مختلفين، الأول، يكمن في أننا لا نعالج مشكلة أو قضية معينة لا بل نحاول أن نبني شخصية واثقة من نفسها منذ الصغر. ندرك كل التحديات التي تواجهها الفتيات وحتى الشباب في الشرق الأوسط بشكل عام وفي مصر تحديداً وهي كثيرة.

وإنما، إذا أردت مواجهتها، لا بد أن تمتلك إرادة صلبة وعقلاً متيناً وشخصية قوية وهذا ما نحاول التركيز عليه». أما الفرق الثاني، فيُتابع دمتري قائلاً «الأمر يكمن في العلاقة الطويلة الأمد التي نبنيها والبرامج التي ننظمها للأطفال إذ إننا نمضي نحو تسعة أشهر معهم على أساس أسبوعي؛ ندربهم ونشجعهم وندعمهم ونقدم لهم النشاطات ونطور عادات جديدة من أجل أن يبنوا شخصيتهم».

حتى لو كانت «هي مصر» تقدم خدمات شبيهة بتلك التي تقودها منظمات أخرى إلا أن الأكيد هو أنها تسعى إلى إحداث فرق، منذ نعومة الأظفار، في الأجيال المصرية.

ويخبرنا دمتري أنهم أطلقوا برنامجهم الذي يرتكز على ثلاثة مستويات في خمس مواقع من القاهرة والجيزة. وتكمن الركائز الثلاث المتناغمة التي تمتد كل منها على مدار 3 أشهر في تطوير الشخصية، والتثقيف حول الصحة الغذائية، والتوعية بالتحرش. وهنا يعطينا دمتري مثالاً قائلاً:

«في المرحلة الأولى، نحضر لهم مقالات من الصحف والمجلات وصوراً ونطلب من كل طفل أن يأخذ ما بين 10 إلى 15 دقيقة ليختار مقالاً أو صورة محددة ونطلب منه أن يقوم بعرض أمام الآخرين. وبالتالي، الوقوف والتكلم أمام الجميع هو تحدٍّ بحد ذاته لا سيما لطفل يعيش في الأحياء الفقيرة».

وعلى سبيل المثال، إذا اختار أحد الأطفال صورة طيارة، فلا بد أن يشرح السبب وما إذا كان يريد أن يصبح طياراً أو مهندساً.. باختصار، نحثّهم على التفكير والتعبير عن أنفسهم.

ومن أجل أن تصل «هي مصر» إلى أكبر عدد من الأطفال، تواصل دمتري مع مراكز أو منظمات غير حكومية تعمل في الأحياء المصرية الفقيرة، (حالياً كما ذكرنا في الجيزة والقاهرة) من أجل تطبيق برنامج نقّال. ويخبرنا أن هذه المنظمات تعمل في أحياء تحتاج إلى التعليم حيث معظمها لا يضم حتى المدارس مثل إسطبل عنتر وحيث يعيش أكثر من مليون ونصف المليون شخص!

ويضيف «لذلك، نتوجه إليها ونطبق برنامجنا مع فتيات بين 8 و16 سنة حيث يضم كل صف 15 طفلاً طوال تسعة أشهر».

إلا أن «هي مصر»، قررت توسيع نشاطاتها لتشمل أيضاً الصبيان. ويشرح لنا دمتري السبب قائلاً: «بعد عامين من العمل مع الفتيات، عبّر العديد من المجتمعات عن رغبتهم في دمج هؤلاء. ورأينا أننا نركّز على أن تكون الفتيات قويات وواثِقات من أنفسهن وأن تفعلن ما يشأن إلا أننا لا نؤهل البيئة من حولهن لا بل نركز على شخصياتهن.

وبالتالي، شعرنا أنه من المهم أن نعلم الصبية البرنامج نفسه. وعلى سبيل المثال، متى نصل للحديث عن التحرش، نعلمهم عن النصف الآخر، ودور النساء في المجتمع وأهمية مساندتهنّ. وبذلك، نثقفُهم، منذ الصغر، على أن يبنوا بيئة حيث يُحترم دور المرأة المهم جداً».

حتى الآن، علّمت «هي مصر» أكثر من 300 فتاة ونحو 50 شاباً وبدأت تلاحظ ثمار جهودها بين المجتمعات الأكثر تهميشاً في مصر. ويبلغنا دمتري أنهم يقومون بتحديات أسبوعية من أجل تقييم تطور الطلاب. ويضيف«متى نمضي تسعة أشهر معهم، نرى التغييرات ولدينا الكثير من القصص حول التقدم الذي أحرزه بعض طلابنا».

سماح البالغة 11 سنة كانت تعاني من الكثير من المشاكل ولا تعبّر عن نفسها أو مشاعرها إلا أن التغيير بدأ يظهر بعد 12 أسبوعاً من متابعة البرنامج.، أما أماني، فكانت أمانيها وطموحاتها كبيرة وحلمها أن تصبح محامية حقوقية، إلا أن هذا الحلم كاد ألا يتحقق إذ قرر والدها ألا تتابع البرنامج وأن تمكث في المنزل لتتزوج غير أن عزيمة وإصرار أماني حال دون ذلك، ما أجبر الوالد على القبول بقرار ابنته متابعة البرنامج ودراستها.

كثيرة هي القصص، ويبقى أن أكثر وأهم التغييرات التي يلاحظها فريق «هي مصر» على طلابهم هو التغيير في العادات لا سيما في طريقة التواصل مع الآخرين وطريقة الحديث عن أنفسهم. ويذكر دمتري «نرى فرداً غاضباً جداً وإنما يتحدث بهدوء أو آخر يعبر عن أحلامه ورغباته بوضوح وبساطة، ففي النهاية، أهم ما في البرنامج هو تعليمهم أن يفهموا أنفسهم ليعبّروا بشكل أفضل».

المسار الذي اختارته «هي مصر» بغية توعية وتربية جيل جديد من الفتيات وإنما أيضاً الشباب ليس إلا ميلاً من طريق الألف ميل لبناء مجتمع مصري، عربي تتكافأ فيه الفرص لكل المواطنين وتعمّ المساواة بين الجنسين.

وعلى غرار كثيرين، يشدد دمتري على أن التعليم ليس في المدارس وحسب لا بل أيضاً في وسائل الإعلام يلعب دوراً مهماً في معالجة هذه المشكلة مشدداً «نحتاج إلى عددٍ كبير من الناس الذين يفكّرون بالطريقة نفسها والذين يملكون الرؤية ذاتها لإحداث التغيير».

بانتظار أن تتحقق الرؤية المشتركة، يوجّه دمتري نصيحة للشابات المصريات «لا تتوقعي أن تكوني مثالية لتكوني شخصاً ما، لكن كوني ما تشائين. هنا في هذه المنطقة، غالباً ما ننتظر أن تقوم المرأة بالعجائب لتحتلّ الصفحات الأولى.

وبذلك، تعتقد النساء أنهن يجب عليهن إنجاز المستحيل للحصول على جوائز أو حتى الاعتراف بهن في المجتمع، إلا أن هذا الأمر ليس صحيحاً أو مهماً؛ الأهم هو أن تكوني نفسك وأن تجدي وتكتشفي نفسك وما هو الأفضل لك؛ لأن المرأة، مهما كانت مهمتها، تبقى شريكة أساسية في المجتمع!».

* باحثة اجتماعية

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon